أشعار الهايكو: 
"تصفيق اليد الواحدة"
نشأ شعر الهايكو، الذي قد يكون أقصر شكل شعري مكتوب في العالم(*)، في البيئة الثقافية اليابانية، المتآلفة مع الأشكال الشعرية القصيرة، لكنه أصبح في النصف الثاني من القرن العشرين ظاهرة شعرية عالمية. ففي نيوزلندا و استراليا و أمريكا و كندا و أوروبا و بقاع أخرى من العالم تكونت جماعات و صدرت مجلات مكرسة لهذا النوع من الشعر، إضافة إلى المؤتمرات، المحلية و العالمية، التي تنعقد بشأنه و الكتب المخصصة له ترجمة و تأليفا و دراسة و نقدا، كما أن عدد الشعراء الذين ينتسبون إلى الهايكو في تزايد مستمر.
في الوطن العربي تكاد المعرفة بالهايكو تقتصر على أوساط الأدباء و الكتاب و ثمة من الشعراء العرب من كتب قصائد على نمط الهايكو(1)، كما ظهرت ترجمات متناثرة في المجلات و الصحف و عدد قليل من الكتب مترجمة، في الغالب، عن الإنجليزية أو الفرنسية(2).
لكن لعل هذا الكتاب(**) المخصص لأشعار آباء الهايكو، الذي ترجمه الشاعر و الروائي الليبي عاشور الطويبي هو أول كتاب في العربية بهذا الحجم.
فما هو الهايكو؟. و ما هي خصائصه؟. و ما السر الماثل وراء ذيوعه عالميا على هذا النحو؟.
الهايكو: التاريخ و الخصائص
* التاريخ
يتحدر الهايكو من أشكال شعرية يابانية أسبق، أقدمها التانكا(tanka) الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن، ثم مر هذا الشكل الشعري، المرتبط بالطبقة الاستقراطية، بسلسلة من التطورات المتعاقبة أدت، في منتصف القرن السادس عشر، إلى ولادة شكل شعري فلاحي(3) يتسم بالخفة و الحيوية ليزاحم الأشكال الشعرية الوقورة العائدة إلى الماضي(4). سمي هذا الشكل هايكاي( haikai) ثم عرف فيما بعد بالرنغا(renga) و هو شكل يشترك في كتابته أكثر من شاعر( قد يصلون إلى الأربعة) بحيث يبدأ شاعر القصيدة بعدد مقرر من الأبيات ثم يتولى شاعر ثان كتابة عدد آخر مقرر من الأبيات، و هكذا، في قصيدة متصلة قد يبلغ عدد أبياتها المئات بل و الآلاف.
يبدأ الرنغا بثلاثة أبيات سميت هوكُّو( hokku حرفيا: أبيات الاستهلال) و هي أبيات ذات طابع فكه غالبا و اعتبرت الجزء الأهم من القصيدة. لذا أخذ الشعراء الساعون إلى أن يكونوا طرفا في هذه اللعبة يحضرونها بشكل مسبق كي يتمكنوا من إحراج خصومهم إذا ما طلب منهم البدء( عادة الضيف هو الذي يفتتح الجلسة الشعرية). كان من شروط الهوكو احتواؤه على كلمة تشير إلى أحد فصول السنة( كيغو kigo) و كلمة وقف أو تعجب(*)( كيريجي kireji) تقع عادة عند نهاية الجملة الأولى و أحيانا الثانية.
حوالي سنة 1680 شرع ماتسو باشو Matsu Basho(1644-1694) في تغذية هذا الشكل ببعد حسي و رهافة جديدين. فحول بذلك مسار الشعرية و جعل من الهوكو شكلا شعريا متميزا شبه مستقل(5) و من ثم أصبحت هذه الافتتاحيات تقتطع من قصائد الرنغا ليتم إصدارها في مجموعات كانت تحظى بشعبية واسعة.
في نهاية القرن التاسع عشر فصل ماسوكا شيكيMasaoka Shiki الهوكو عن الرنغا نهائيا و أطلق عليه إسم هايكو( Haiku) مشتقا الكلمة من كلمتي هايكاي( Haikai) وهوكو( Hokku) ليشيع هذا النمط الشعري في العالم بهذا الإسم.
* الخصائص
من الصعوبة بمكان وضع تعريف للهايكو يحظى بالإجماع. فـ"ـأي تعريف للهايكو يمكن أن يكون، و سيكون، محل جدال"(6) كما يقول ماكس فرهارت Max Verhart. لذا سنضع التعريف التالي الململم من مصادر مختلفة ثم نستتبعه بوجهة نظر حديثة تعدله و توسعه.في اليابانية تتكون قصيدة الهايكو من سبعة عشر مقطعا صوتيا مرتبة بنظام 5،7،5 موزعة على ثلاثة جمل تكتب على سطر واحد من أعلى إلى أسفل. لكن شاعت كتابته في الغرب على هيئة ثلاثة أسطر، و هناك الآن من يكتبه على سطر واحد.و من شروط قصيدة الهايكو تضمنها ذكرا لفصل من فصول السنة أو اسم نبات أو حيوان أو ظاهرة طبيعية إلخ. ترتبط به(**).
زمن قصيدة الهايكو هو المضارع،
و مواضيعها مأخوذة من الطبيعة،
و عن طريق التجربة المباشرة.
و تقدم قصيدة الهايكو النموذجية صورتين متباينتين متجاورتين، لكنهما غالبا منفصلتان، تتضمنان المكان و الزمان( من خلال محتوى الصورة و اللفظة الدالة على الفصل).
" أما الجملة الثالثة فتنعطف بهما نحو إدراك مختلف مومضة بشررها في البرزخ الواقع بينهما لتضيء، لبرهة، كامل القصيدة بضوء عذب."(7)
ذات الشاعر تكون غير ماثلة في القصيدة التي تخلو من المشاعر الصريحة،لذا تكون لغة الهايكو محايدة، و عادية تماما، لكأن الهايكو" يتبرأ من اللغة، بمعنى أنه لا يستخدمها لإنجاز الكلام الموشى ornamented الذي يعتبر التعريف التقليدي للشعر."(8) فالهايكو ينأى عن المحسنات اللفظية و أشكال المجاز الواضحة، و في هذا السياق يقول العلم الثاني في تاريخ الهايكو الياباني يوسا بوسون(9) Buson Yosa( 1716- 1784):" لغة الهايكو المثالية هي اللغة المألوفةordinary ، التي، مع ذلك، تتجاوز، المألوفية ordinariness. أن تتجاوز المألوفية و مع ذلك تستخدمها، و هو منهج تجاوز المألوف، لهو أشد الأمور صعوبة." ذلك أن قصائد الهايكو العظيمة" تنبئنا بأشياء كنا قد رأيناها، لكننا لم نتعرف إليها." كما يقول بلايث(10) R. H. Blyth
و الآن لننظر إلى بعض عناصر هذا التعريف من زاوية أخرى تكمله.
الهايكو و عنصر المجاز
فيما يتعلق بخلو الهايكو من عنصر المجاز ينبغي القول، مبدئيا، أنه ما دمنا نتحدث عن عمل أدبي فلابد أن" يتسرب" المجاز إلى هذا العمل شئنا أم أبينا، ذلك أن المجاز محايث للغة. فمعظم ألفاظ اللغة حاملة لمجازات تشربتها عبر التاريخ، و لعل أبلغ دليل على ذلك و أبسطه تعدد معاني الكلمة الواحدة بما يصل العشرات أحيانا و إلى درجة التضاد أحيانا أخرى، مما يدل على أنها تعرضت إلى انزياحات متتالية تضم فيها كل مرة معنى جديدا مختلفا، و هذه الانزياحات ليست شيئا آخر غير المجاز . و دور العمل الأدبي يتمثل في أنه يتيح للألفاظ تفتيح طاقاتها المجازية خلال عملية دخولها في علاقات مع غيرها من الألفاظ. إلى جانب ذلك فإن القاريء يفترض، بمجرد شروعه في قراءة عمل أدبي ما، أنه داخل إلى دنيا المجاز، لذا يظل يبحث عنه و يحاول تخليقه من خلال العلاقة التي تقيمها ذائقته الجمالية و حسه الفني و مخزونه الثقافي مع دنيا النص. و بذا يمكن القول أنه لا مفر للعمل الأدبي من المجاز.
و بالنسبة إلى الهايكو يمكن العودة إلى كلام بوسون بخصوص( تجاوز المألوفية، عن طريق اللغة المألوفة) الذي تمثلنا به منذ قليل. إذ ينطوي هذا القول على إقرار ضمني بأن لأشعار الهايكو، الجيدة، ظاهرا و باطنا و أن الظاهر، من ثم، هو المجاز( بالمعنيين البلاغي و الحسي) إلى الباطن. و يرى جورج مارش(11) George Marsh بأنه صحيح أن تقاليد شعر الهايكو الياباني، إذا ما قورنت بالتقاليد الشعرية الإنغليزية، تتحاشى المجاز، و هي تشير و لا تصف( اتباعا لقاعدة: اعرض، لا تخبر show, don’t tell) إلا أن" أفضل[ قصائد] الهايكو تحتوي على قوة مجاز، كون الصورة الحسية concrete observation، التي هي موضوع القصيدة، تنطوي على ترديد resonance أبعد." و يقول بروس روس(12) Bruce Ross بأن فرادة الهايكو تتمثل في انبنائه على" مجاز مطلق absolute metaphor يتعلق بالطبيعة في خصوصها و عمومها." و يقرر مارتن لوكاس(13) Martin Lucas بأن الهايكو" مجاز مفتوح open metaphor " أمام ظرفنا الإنساني و هو يتصادى بذلك الظرف. و تفترض جين رايتشهولد(14) Jane Reichhold أن:" المجاز أحد المكونات القيمة في كتابة الهايكو. الأمر المختلف هنا هو الكيفية التي يكتب بها المجاز في الهايكو. ففي الهايكو[...] توضع عناصر المجاز بشكل عفوي في تعابير بسيطة صافية و تكون، عادة، متجاورة يربط بينها فعل أو صورة ثالثة." و لعل بول أو. وليامز (15) Paul O. Williams يوضح فكرة رايتشهولد على نحو أفضل حين يتحدث عما يسميه" المجاز المتردد unresolved metaphor" الناجم عن المقارنة التي تدفع آليةُ التجاور إلى إجرائها بين العناصر المكونة للقصيدة، بحيث تتيح إمكانية تفسيرها مجازيا و حرفيا، و هو ما يمنح العديد من قصائد الهايكو بعدا عميقا.
أما الياباني هارو شيرين(16) Haruo Shirane فيؤكد على أن:الفارق الجوهري بين المجاز في الهايكو و المجاز في غيره من أشكال الشعر الأخرى هو أنه في الهايكو يتقصد أن يكون لا مباشرا إلى أقصى حد و غير ظاهر. فالمجاز في الهايكو الجيد عادة ما يكون دفينا في القصيدة. فعلى سبيل المثال غالبا ما تنحو اللفظة الدالة على الفصل في الهايكو الياباني إلى أن تكون مجازا متأصلا، ما دامت منطوية على تعالقات associations ثقافية و أدبية محددة. إلا أن الوظيفة المبدئية و الأساسية للفظة الدالة على الفصل و صفية، و يكون البعد المجازي ضمنيا.و إجمالا يمكن القول أن الهايكو قائم، في جزء أساسي منه، على إخفاء العمق.
التجربة المباشرة
يرى شيرين(17) بأن التشديد على صدور الهايكو عن التجربة الشخصية المباشرة للشاعر ناجم عن"رؤية حديثة للهايكو نشأت، جزئيا، عن واقعية القرن التاسع عشر الأوربية التي كان لها تأثير على الهايكو الياباني الحديث، و من ثم أعيد تصديرها إلى الغرب على أنها شيء ياباني شديد الخصوصية." و يضيف بأن باشو، الأب المؤسس للهايكو في القرن السابع عشر، لم يكن يميز بين التجربة المعيوشة و تلك المتخيلة و لم يكن يعلي من شأن الواقع على حساب الخيال. إلا أن تقاليد الهايكو تتطلب من الشاعر الانغماس في شؤون الحياة اليومية و السفر و معايشة العالم قدر الإمكان ليستطيع بعد ذلك عكس العالم كما هو. و يعزو شيرين السبب الأساسي في التركيز على التجربة المباشرة في الهايكو الياباني الحديث إلى ماسوكا شيكي، مؤسس الهايكو الحديث في نهاية القرن التاسع عشر، و ذلك لتأثر شيكي العميق بالنظرية الأدبية الغربية للشعر التي ترى، من جانب، ضرورة أن يكون واقعيا و أن يكون، من جانب آخر، تعبيرا عن الذات الفردية. و يستدرك شيرين بأن هذا التطور كان سيتم حتى لو لم يوجد شيكي، لأن اليابان تعرضت مع نهايات القرن التاسع عشر إلى تأثير غربي هائل.
اللاذاتية
ارتبط الهايكو أيضا بالحيادية و غياب ذات الشاعر، حيث تبدو قصائد الهايكو كما لو أن" الطبيعة هي التي أملتها"(18) على الشاعر أو أنه عثر عليها في الغابة المجاورة!(19).
إلا أن الذات، هذه الطاقة الغامضة فائقة الدهاء، البارعة في أساليب المداورة، تقاوم كل محاولات المحو و تثبت حضورها، مبدئيا، من خلال اختيار موضوع القصيدة و لغتها، ثم تهرب نفسها متسربة إلى قصيدة الهايكو بآليات تستعصي على المنع، لتتواجد هناك في بعديها الإنساني العام و الفردي الخاص. و يكفي في هذا السياق إيراد تعليق روبرت هاس(20) حول هذه النقطة حين يذكر بأنه اكتشف، بعد سنوات طويلة من تصديق ما كان يقال له بأن" الهايكو ليس ذاتيا على الإطلاق"، الجوانب الفردية المنعكسة في الهايكو من مثل" وحدة باشو العميقة و شعوره بالمعاناة، و اعتدال مزاج بوسون و حبه للأدوات الفنية و أشكال الأشياء و ألوانها و حس إيسا بالشفقة و الفكاهة و الغضب."
سر الجاذبية؟
بعد هذا الاستعراض آن لنا أن نتساءل عن سر الجاذبية التي يتمتع بها الهايكو.و ما دمت قد استعملت لفظة" سر" في تساؤلي فإن هذا يعني ضمنا أنني أعتقد أن جزءا، على الأقل، من هذه الجاذبية ينبع من منطقة غامضة، لأن" الهايكو، رغم بساطته، شديد الغموض"(21). إلا أنني سأحاول تحديد الجوانب التي اجتذبتني في الهايكو.
أظن أن أول عنصر من عناصر الجذب هو قصر قصيدة الهايكو البالغ.
العنصر الثاني يتمثل فيما أحب أن أسميه" البساطة الفادحة" التي تبادهنا بها قصيدة الهايكو على نحو يجعلنا مشدوهين، حتى أن هناك في الغرب من يسميه " شعر الانشداه، أو الاندهاش ahness".
العنصرالثالث هو اعتماده على تجسيد الصورة الحسية بتقتير في اللغة و حيادية بادية فيما يتعلق بالمشاعر.
العنصر الرابع هو ما يترتب على العناصر السابقة من حفز لقابلية التأمل لدى المتلقي، بسبب ما يسميه ديفد لاندس بارنهل(22) David Lands Barnhill " الإبهام المفتوحopen ambiguity " الذي تثيره في ذهنه.
العنصر الخامس هو خيط الدعابة و المفارقة، الذي بالكاد يرى، الساري في عدد كبير من قصائد الهايكو. و في هذا المجال ينبغي ألا ننسى أن" الهايكو الياباني بدأ باعتباره نوعا من الشعر المضحك في العصور الوسطى"(23).
العنصر السادس و، الأخير، يمثل تمازج العناصر السابقة كلها في ناتج يمنح قصيدة الهايكو ـ الجيدة طبعا ـ عمقا ثريا يجعل من" الهايكو شكلا[ شعريا] ذا بساطة خادعة"(24) حتى ليمكن القول بأن الهايكو قائم على إخفاء الفن.
الهايكو و مذهب الزن البوذي
من الناحية التاريخية دخل مذهب الزن البوذي إلى اليابان، قادما من الصين، في القرن الثاني عشر، و بذا يكون الهايكو قد ظهر في مناخ يهيمن فيه هذا المذهب على الثقافة اليابانية. كما أن عددا كبيرا من شعراء الهايكو البارزين كانت لهم صلات قوية بمذهب الزن. فباشو نفسه تنسك فترة من حياته و درس مذهب الزن البوذي و حلق رأسه و ارتدى زي الرهبان، إلا أنه لم ينخرط في سلك الرهبنة البوذية، و قد وصف حالته هذه بكونه مثل الخفاش الذي ينظر إليه على أنه طائرأحيانا و فأر أحيانا أخرى، كما أن كوباياشي إيسا Kobayashi Issa( 1763- 1828)، ثالث أهم شاعر في تاريخ الهايكو الياباني، عاش فترة من حياته في أديرة الزن. إضافة إلى استخدام الهايكو في جلسات التأمل التي يعقدها شيوخ الزن مع مريديهم. كما تجدر الإشارة إلى وجود تقليد بين الرهبان الزن يقضي بكتابة الواحد منهم قصيدة هايكو( قصيدته الأخيرة) عند الإحساس بدنو أجله(*)،و في الغرب شاع الاعتقاد بأن" الهايكو هو فن التأمل و في هذا عمق صلته بالزن(التي غالبا ما يتم إنكارها)"(25) و أن" الهايكو كان إلهاما زنيا و أنه تعبير عن مباديء مذهب الزن البوذي."(26) و أن كل قصيدة هايكو هي" إجابة، من وجهة نظر مذهب الزن، على أسئلة من مثل : ما هي الحقيقة؟"(27) أو" كيف يكون تصفيق اليد الواحدة؟" و أن مذهب " الزن البوذي قد حدد إلى حد كبير التطور التاريخي للهايكو الياباني"(28) و أن" الهايكو هو أكثر التعابير اكتمالا في أدب الزن"(29) ،و يتفق معهم في هذا بعض اليابانيين. فهذا شاعر الهايكو الياباني فوجيوارا(30) Fujiwara يقول في مقابلة معه:"ما نسعى وراءه مسترشدين بالزن هو الكشف revelation . فالهايكو ذخر عظيم للحكمة الكبرى و قد كان هذا شأنه لعدة قرون." و يق
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ