حتى الملائكة تسأل …!!
موت. و. ولادة….!!
تحول الإنسان من دين لأخر ليس هو بالأمر الهين ولا هو بالتجربة اليسيرة. فهي تجربة غالبا ما تكون مشحونة بالقلق والتوتر، بالانفعال والحلم، بالأمل واليأس؛ … تجربة تحمل مفردات الموت والولادة. الولادة لهوية جديدة بما يرافقها من عسر وصعوبات الانتماء بأبعاده الإنسانية والثقافية؛ والانسلاخ عن علاقات، وأنماط وجماعات تمتد في ذاكرة المرء وتشكل جزء من كيانه؛ تجربة التحول هذه يروي تفاصيلها لنا كتاب (حتى الملائكة تسأل) الذي قام بتأليفه الدكتور جيفري لانج، أستاذ الرياضيات بجامعة كنساس الأمريكية والذي يقدم فيه عرضاً لتجربته ولتجارب آخرين مثله مما دخلوا الدين الإسلامي؛كما يقدم رؤية تحليلية للمجتمع المسلم في الغرب ولبعض البلدان الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية.
يبدأ الدكتور لانج كتابه بمشهد يوم عظيم. حين يخاطب الله عز وجل ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة، ويأتي التساؤل تعبيرا عن الحيرة والقلق على لسان هذه المخلوقات النورانية…." أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..؟؟"؛ هذه المخلوقات الوديعة المسالمة تسأل الباري عن الحكمة وراء خلق هذا المخلوق العاصي العجول المتمرد…وهو نفس التساؤل الذي واجه الكاتب عند قراءاته لصفحات القرآن الكريم.
ولد الكاتب في يناير من العام 1954 لأسرة مسيحية بالغة التدين، دفعت به إلى المدارس الكاثوليكية، التي اشتهرت بتزمت مناهجها وصرامة مدرسيها، ليعيش بعقله المتشكك صراعا داخليا حادا بين معتقداته الشخصية وموروث أهلة لينتهي به المطاف بإعلان إلحاده وهو في الثامنة عشر من عمره بسبب ما أسماها اعتراضات عقلانية على فكرة الله في المسيحية. وبقى في رحلة شكه هذه سنوات عشر، ليجد نفسه وهو أستاذا جامعيا بمدينة سان فرانسيسكو في مواجهة جديدة مع دين جديد. فأثناء تدريسه لمادة الرياضيات بجامعة سان فرانسيسكو تعرف على مجموعة من الطلاب الأجانب ونشأت بينه وبينهم علاقات ود ومحبة قادته إلى الرغبة في معرفة المزيد عنهم وعن ديانتهم الإسلامية، فقرر أن يقرأ القرآن الكريم ……. وهي تجربة يصفها بأنها لم تكن سارة على الإطلاق…
" …..إذ لم أكد أمضي في قراءة سبع و ثلاثين آية من القرآن إلا و قد أُثير قلقي و استيائي إلى الحد الأقصى. فتساءلت : "لِمَ (يا رب) تخضع الجنس البشري إلى ألم دنيوي؟ ..لم لم تنقلنا إلى الجنة و تضعنا هناك منذ البداية؟ لماذا كتبت علينا _معشر البشر_ الصراع من أجل البقاء؟ لم خلقتنا ضعفاء و أعداء لأنفسنا مدمرين لها؟ لماذا كتبت علينا أن نحيا بقلوب منكسرة و أحلام محطمة، بحب ضائع و شباب زائل و أزمات و محن لا تحصى؟ لماذا كتبت علينا أن نتجرع ألم المخاض و سكرات الموت، لماذا؟ نتوسل إليك (اللهم) بإحباط و ذل "لماذا"؟ نناشدك (يا رب) و الأسى و الحماقة تملأ جوارحنا "لماذا؟" إننا نلح بكربنا، "لماذا؟" نصرخ بصوت يطاول عنان السماء: "لماذا؟" فإذا كنت موجوداً و تسمعنا (يا رب) فنبئنا لماذا خلقت الإنسان؟…."
"ليس بالإمكان أن تقْرأَ القرآن ببساطة أو استهانة؟ ذلك إن كنت جادا في الأمر. فالقرآن أمّا أن تستسلم له أو تحاربه. فهو يُهاجمُك بشكل عنيد، ومباشر، وشخصي. فهو يُناقش، ويَنتقد، ويعزر، ويَتحدّى….. مِنْ البدايةِ تحدد خَطَّ المعركة، و كُنْتُ أنا على الجانب الآخر. ؟" هكذا وَجدَ جيفري لانج نفسه طرفا في معركة مثيرة…..؟.
"كُنْتُ في وضع لا أُحسَد عليه، فمن الواضح أن مُؤلفَ ذاك الكتاب (القرآن) يعَرفَني أفضل مِما أعرف نفسي. كنت كل ليلة أختلق بَعْض الأسئلة والاعتراضات، لأجد الجواب في القراءة التالية بينما كنت أواصل قراءاتي بالطريقة المتفق عليها. …. كان القرآن دائما يسبقني… يزيل موانعَ بَنيتُ قبل سنوات ويرد على استفساراتي… جادلت بشدّة بالاعتراضات والأسئلة، ولكنني أدركت أنني كنت أخسر المعركة. كنت انقاد إلى طريق ليس لها سوى مخرج واحد ….ففي هذا الكتاب وجدت أجوبة متماسكة ومنطقية لأسئلتي، وهو ما دفعني لاحقا للإيمان بالله ……….، وهكذا أصبحت مسلما".
في سنوات شبابه كان ثمة حلم يتراءى لجيفري بين الحين والأخر …يسرده قائلا : ..كانَت الغرفة صغيرة جدا وخالية من الأثاث و بجدران رمادية عارية. الزينة الوحيدة كَانتْ سجادة مزخرفة بالأحمر والأبيض تغطي الأرضيةَ. كانت هناك نافذة صغيرة، مثل نافذة سرداب أو قبو، تعلو وجوهنا بقليل وتواجهنا وتشع نورا ساطعا. . . . .سمعت رنين جرس ثم ساد الهدوء. كُنّا مصطفين وكنت في الصف الثالث. كنا رجالاً فقط، لا نِساءَ بيننا، نَجْلسُ بمواجهة النافذة.
شعرت بغربة بينهم. لم أتعرف على أحد. بدا كما لو أنني في بلاد أجنبية. ركعنا سوية ووجوهنا إلى الأرض. ثمة هدوء وسكينة كما لو أننا فقدنا كل اتصال بالعالم من حولنا. تطلعت إلى الأمام، ثمة شخص يقودنا يقف أمامي إلى اليسار. كان يقف وحيداً جوار النافذة. لفترة قصيرة لمحت ظهرَه. كَانَ يَلْبسُ رداء طويلا أبيض اللون، وعلى رأسه وشاح أبيض موشى بالأحمر. حينها….. صحوت من الحلم."
خلال السَنَوات العشْر التالية رأى جيفري الحلمِ مرات عدّة. لم يضايقه ذلك، وأن أحس بالغرابة عند الاستيقاظ. لم يَعْرف معناه، لم يستطع تفسيره لذا لم يهتم كثيرا به. كَانَ ذلك في بداية الثمانينات حيث كان هناك العديد مِنْ المسلمين في حرم جامعة سان فرانسيسكو حين اكتشف جيفري مكاناً صغيراً في قبو كنيسة جَعل منه الطلاب المسلمون مكاناً لأداء صلواتهم اليومية. بعد أن تغلب على تردده.. امتلك الشجاعةِ الكافية لزيَاْرَة ذلك المكان.
عندما خَرجَ منه بعد ساعات قليلة، أعلنَ الشهادتين ال

































..موال الحكايات الجارحة













