لماذا وكيف نفكر في المصالحة الوطنية
يواجه المجتمع الليبي بعد ثورة 17 فبراير المجيدة وسقوط النظام الدكتاتوري ، إشكاليات أخرى بعد سقوط الدكتاتوريات ، الحروب الأهلية والدول التسلطية والشمولية . وقبيل بناء الدولة المدنية الديمقراطية لابد من التفكير الجاد والجماعي في المعوقات والعقبات التي تراكمت فيما أسميه عبء التاريخ والدولة التسلطية بعنفها ، وقمعها وتدميرها ليس فقط للمؤسسات الاجتماعية والأهلية ولكن أيضاً تشويه القيم المدنية وغرس الغبن ، الأحقاد وإحياء النعرات الجهوية والقبلية مما يدعو قبل أي شيء آخر بضرورة الوعي والاستيعاب لهذا العبء ، وأيضاً الكفاءة الأخلاقية والمهنية من أجل بدء حوار وطني جاد . هذا الهدف لن يتحقق إلا بالتفكير وتطبيق العدالة الانتقالية من خلال لجنة إنصاف حقيقية ومصالحة بالكشف عن الحقائق ، إظهار التاريخ المهني للمظلومين ، المهمشين ، المساجين ، المنفيين والمعذبين خلال المرحلة التسلطية الديكتاتورية .
السؤال الأساسي الذي يواجهنا جميعاً الآن هو كيف نفكر في المصالحة الوطنية من غير أن نسقط تيار الانتقام ، الثأر والعنف الأهلي بين شرائح المجتمع التي أيدت النظام وساهمت في استمراره وقوى المجتمع المناضلة ضد الاستبداد والأغلبية الصابرة الصامتة التي قاومت بطرق عديدة ضد هذا النظام الذي أفلس أخلاقياً وسياسياً ، وأعلن الحرب على المجتمع عندما قام شباب 17 فبراير بالاحتجاج السلمي من أجل مطالب عادلة مؤجلة بالإنصاف والحقيقة . ما نواجهه هو كيف نوافق أو نوازن بين مطالب العدالة وإظهار الحقيقة وفي نفس الوقت إنجاز أو وضع الأساس للمصالحة الوطنية لبناء دولة مدنية وديمقراطية نقترح في هذا البحث ثلاث أفكار أساسية :
أولاً : ضرورة التفكير في لجنة إنصاف ، حقيقة ومصالحة وطنية .
ثانياً : من التجارب المقارنة للمجتمعات الأخرى التي واجهت تحديات مشابهة لنا بعد سقوط الدكتاتوريات وخاصةً تجربة جنوب أفريقيا التي أعطتنا أهم تجربة في تطبيق مفهوم هيئة أو لجنة حقيقة ومصالحة ، والتجربة المغربية وهي الأولى في العالم العربي .
ثالثاً : إعادة فهم واستيعاب عبء التاريخ الليبي في القرن العشرين من دولة استعمارية استيطانية عنيفة إلى دولة ما بعد الاستقلال بهدف فهم التأثير والتفاعل وأيضاً للاستفادة من تراثنا التاريخي والديني والثقافي عند إنشاء لجنة حقيقة وإنصاف ومصالحة كما أدعو في هذا البحث .
افتراضات ومفاهيم منهجية :
لجان الحقيقة ، والإنصاف والمصالحة أصبحت شائعة في الكثير من دول العالم وجزءاً من القاموس القانوني والمدني لحقوق الإنسان والمواطنة في مواجهة تراث ومؤسسات وأيديولوجيات التسلط ، والقمع وتزييف التاريخ والعدالة ، وأيضاً وسيلة ناجعة للمصالحة والسلم الأهلي لمداواة جراح النفوس ، والظلم في المجتمعات الشبيهة بنا التي عانت من تجارب العنف الاستعماري والدولة التسلطية والدكتاتورية والشمولية .
ولكن السؤال المُلح تاريخياً وفلسفياً هو ماذا نعني بالمصالحة ؟
المصالحة تعني معالجة العلاقات الممزقة والمتصارعة والتي تشمل تطوير رؤية عملية وشاملة للمجتمع الأهلي والمدني ، والاعتراف والتعامل بعبء التاريخ والماضي القريب ؛ بناء علاقة إيجابية مشتركة تركّز على الحد الأدنى من التراضي والتوافق في المجتمع ؛ تغيير ثقافي وقيمي مبني على فكرة المساواة والمواطنة ، وأخيراً حل العقبات المُلحة وبالذات البطالة ، الأجور ، التعليم الإعلام من خلال الشفافية في ظل المساواة القانونية والمواطنية للناس جميعاً عدا الجلادين والقتلة .
أزعم في هذا البحث أن لجنة حقيقة وإنصاف ومصالحة هي حجر الأساس في إنهاء الصراع الأهلي والعنف المسلح ومن ثم الإعداد لبناء دولة مدنية وديمقراطية في ليبيا هذه الخطوة الأولى أعتقد ستساعد لأن يكون الصراع الاجتماعي سلمياً من خلال المؤسسات الأهلية ، والمدنية التي تضمن شرعية الاختلاف والحق في التعبير من خلال سلطة القانون التي تكفل لليبيين رجالاً ونساءً باختلاف مناطقهم وجهاتهم المساواة والشفافية القانونية .
ولكن لابد من الاعتراف بأن التحدي الأكبر الذي يواجهنا الآن هي كيف نبدأ في طور مدني وثقافة جديدة بديلة لثقافة الماضي ثقافة التسلط ؛ والفساد ، والوساطة والتحايل على القانون والنظر للمال العام والدولة كغنيمة – الخطوة الأولى هي مواجهة الماضي بقمعه ن تسلطه ومؤسساته وتاريخه . لجنة ليبية للحقيقة والإنصاف والمصالحة لن تحل كل الإشكاليات والتحديات ولكنها ليست سوى بداية صحيحة ستساعد في بناء ما نصبوا إليه ؛ وهو دولة المساواة المدنية والديمقراطية .
- السياق التاريخي لمفهوم الحقيقة والإنصاف والمصالحة :
بعد الحرب العالمية الثانية نذكر لجنة نورميرج لمحاكمة جرائم الحرب النازية والتي تعتبر أهم إدانة لجرائمهم ضد الإنسانية بعد حرب الإبادة لليهود ، الاشتراكيين ، الغجر والأوروبيين الشرقيين . ولكن السياق التاريخي لانتشار لجان التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان من أجل المصالحة الوطنية انتشرت بعد سنة 1994 . كيف نفسّر هذا ؟
لابد من الأخذ في الاعتبار سقوط الدكتاتوريات العسكرية ، نظام الحزب الواحد ، ونهاية الحرب الباردة بفعل الثورات ضد الأنظمة الشمولية في شرق أوروبا ودكتاتوريات أمريكا اللاتينية . وها هي شعوبنا الآن بثورات الربيع العربي مركز اهتمام العالم أجمع بما فيها ثورتنا ؛ ثورة 17 فبراير وأستطيع أن أعلق على هذا الموضوع لأنني كنت فاعلاً أساسياً خلال هذه السنة في التعليق ، الحديث ، الكتابة للرأي العام الأمريكي والغربي ، وأيضاً الأمم المتحدة . العالم الآن ينظر لنا باهتمام وبتعاطف لم أشاهده خلال تجربتي في المنفى منذ ثمانينيات القرن الماضي . هذا يعني أيضاً تحدياً لنا لإنجاز الثورة من خلال بناء الدولة المدنية الديمقراطية . ولهذا أرى أن الثورة نجحت في المرحلة الأولى وهي إسقاط النظام الدكتاتوري ولكن كما يعلمنا تاريخ الثورات في العالم إذا لم نكن يقيظين ، فإن الثورات تُسرق والثورة المضادة في الداخل والقوى الطامعة في الخارج قد تنجح في سرقة الثورات بما فيها ثورتنا نحن في ليبيا .
هناك ثلاثة افتراضات قانونية وفلسفية يتفق عليها جل المختصين في دراسة هذه اللجان – لابد من دراسة وفهم تاريخ العنف والتسلط سياسياً واجتماعياً ، الاعتراف بالظلم وجراحه التاريخية في خلق الغبن والتوتر والرغبة في الإنصاف ، وأخيراً الاعتراف بالمسئولية الأخلاقية للتسلط والظلم وانتهاك حقوق الإنسان .
الدراسات المقارنة والتاريخية للتسلط والعنف ، تتفق أيضاً على أهمية المصالحة السياسية قُبيل عملية بناء الدولة ، وبالتالي الاعتراف بجرائم الماضي وتسجيلها وتعويض الضحايا هو جوهري في التمهيد للصلح الماضي وبناء نظام بديل وديمقراطي .
- ماهي لجنة الحقيقة ، والإنصاف والمصالحة :
شهد العالم ظهور 20 لجنة إنصاف ومصالحة مابين 1994 و 2004 . بعضها أنشأت من قبل الدول ، وأخرى من قبل الأمم المتحدة في حالة السلفادور وجواتيمالا وأخرى أنشأتها منظمة دولية غير حكومية ( هاييتي ورواندا )
بشكل عام لجان الحقيقة والإنصاف والمصالحة هي هيئات بنيت للتحقيق في تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان هذه اللجان عادة تتضمن أربعة أهداف :
أولاً : تحديد من المسئول عن العنف وانتهاك حقوق الإنسان .
ثانياً : القيام بنشر وإذاعة الشهادات وتاريخ العنف من قبل الضحا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ