سريب - sarib

الجمعة,أيار 16, 2008


cak55xثدي البحر .. المطعم بصهيل البنادق

عرف " الآخرون " الخليج بعينين : عين للغضب والسخط والحسد ، وعين أخرى للتملق والنفاق وغرف الممكن من الثروات بأقصر طريق ممكن ، وأسرعه. ولكننا "وحدنا" أطفاله الذين لم يفطموا أبداً عن ثدي البحر الذي تحول إلى منطقة " كارثة كبرى" عرفنا ، وصدقنا طهارة ذلك الحليب الناصع والذي شربنا منه ، ولم نرتو أبداً.

ما الذي يحاصر الذاكرة الآن : الصحراء الواسعة ، وكثبان الرمل وشجرة "الغافة" الكبيرة ، البحر .. الحنون .. المشاغب ، وبيوت الطين التي استلقت بجواره كأنثى راضية، وهانئة ... أشجار " الكنار " و " اللوز " والحنة وهي تطوق تلك البيوت. رائحة المانجا العمانية .. و "اللومي" العماني .. والموز القادم من رؤوس الجبال ، وزنجبار.

كل شيء كان يحدث ببساطة ، وبود هادئ : الأعياد .. ورمضان ... والمآتم ... البيوت .. هي بيوت الجميع .. وثدي المرأة الوالدة يرضع أطفال الآخرين ... كما يطعم أهل الحي ، جميعاً ، حبات القمح المدقوقة " الهريس".

ما الذي يحدث إذن ؟!

المدارس ، الشوارع ، الإذاعة ، التلفزيون ، البيوت الشعبية ، الشارلستون ، الفنادق ، أضواء " النيون لايت " والسوبر ماركت. الذي بدأ صغيراً ... ثم كبر ... ثم توالد ... ثم أصبح في كل مكان.

وفجأة تضخمت مدن الساحل .. وفجأة تشتت الجميع وأصبح الحي أحياء ... من هم جيراننا : يمني ، عراقي ، سوداني ، أردني ، مصري ، هندي ، إيراني ، صومالي، سوري ، لبناني ، فلبيني ، إنجليزي ، أسترالي ، ياباني ، أمريكي ، فرنساوي ، أفريقي، وكثرت البيوت ... طالت الشوارع ... تعددت اللهجات وتعلمنا كيف نتحدث الفلسطينية واللبنانية والمصرية (والعراقية بالطبع) بطلاقة ... وتعلمنا كيف نتقن الهندية والإيرانية والإنجليزية والفرنسية .. وحتى الفليبينية بطلاقة ، أيضاً.

لكننا لم نتقن لغة الخوف من القادم ... كان هناك شعور غامض به .. ولكن من أين يجيء الخوف .. لا أحد يدري .. من الشمال البعيد ... أم من الشرق .. أم من الجوار .. أم من الداخل .. أم من أولئك الأشقاء ... لا أحد يدري.

راهنا على سباق المسافات الطويلة فتحولنا .. أبناء وبنات الصيادين وغواصي اللؤلؤ إلى أطباء ومدرسين ورجال أعمال وأدباء وصحفيين ودبلوماسيين وإعلاميين. تبعنا خط الحضارة من حيثما رأيناه لنقفز بتلك القرى إلى عالم المدينة بأسرع وقت ممكن .. فهل كان هذا هو الخطر الذي لم ندركه!

أصبح زمننا زمن الكمبيوتر .. والبنوك الدولية .. وشركات البترول الضخمة المتعددة الجنسية .. امتلأت الشوارع بالعربات اليابانية ، والألمانية ، والأمريكية .. وامتلأت غرف الأطفال بصور مايكل جاكسون وسلفستر ستالون ومادونا ... وأجهزة الفيديو بأشرطة عادل إمام ، ونادية الجندي ، ونبيلة عبيد ...ونسينا وجوهنا القديمة في صناديق الثياب العتيقة المعطرة بدهن العود والصندل والياسمين.

كنا ما زلنا نبحث عن معنى القصيدة الحديثة .. والدستور .. والديمقراطية .. والبريستوريكا .. ونظرية التبعية .. والشمال والجنوب ... وقانون "من أين لك هذا؟"... كنا ما زلنا نناقش حقوق المرأة " المدنية " والمساواة " العصرية " وفكرة الاتحاد "الفيدرالية ".

ألا أن الخوف جاء ... فجأة جاء ... وبدأنا ندرك من هم الغرباء ... الذين      لا يريدون لنا الحياة .. لا يريدون لنا المستقبل .. لا يريدون لنا ما هو أكثر من الخيام وبيوت الطين.

الغرباء جاءوا لينحروا البحر ... ويسمموا دم السماء ويفسدوا كل ما حاولنا أن نصنعه .. ها هو مشهد المدينة التي احترقت بحسدهم .. ونقمتهم ... لا يريدون أن يتركوا لنا شيئاً من الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

طاقة الخوف من الدمار ... وطاقة الحب التي تشتتت .. وطاقة التشبث بالبحر .. وبالسماء ... وبالأرض. نحن هنا البدو والبحارة و "الغواصة " السابقون ... نحن هنا باقون على أجداث حضارة الحرب .. والجنرالات وسنواصل السير نحو ذلك المستقبل الغامض.. لأننا لامسنا كفه .. وعرفنا ما الذي يعنيه.

الطريق تسير إلى الأمام ... ولن تعود ، أبداً ، إلى الخلف .. أنها لن تعود !

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

 

·        5 فبراير 1991

·        القاهرة