سريب - sarib

السبت,أيار 17, 2008


مصر مبارك رجل الشرق الأوسط المريض

121098121098121098

لو عاش ماركس بيننا لكان نداءه هذه المرة يا جوعي العالم اتحدوا ! اما فوكوياما الذي رقص جذلاً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وتوهم ان انتصار الليبرالية هو نهاية التاريخ ، فلم يتركه ماركس يهنأ بنهايته السعيدة، بل طارده بمقولته الشهيرة نفسها. فقد تعددت النهايات، واذا بها تنقلب الي مسخرة، الي مجاعة تعم كوكبنا الارضي كله.. الي جوعي التاريخ !

اما مصر، فرغم كل ما قيل فيها وعنها في السنوات الاخيرة شعبها يعبد فرعون ، فقد تصرفت كعادتها دائما، صبرت علي حكامها صبر أيوب، قدمت اول اضراب في التاريخ لبناة الاهرام... وحول شبابها اخيرا افتراضية رقمية علي الانترنت وصنع من الفيس بوك حزبا، عندما سد النظام الطريق علي بناء احزاب حقيقية وليس ورقية، وأقام معارضة مدجنة تدور في فلكه، قدم هذا الشباب (6 نيسان/ابريل) الخالد نموذجا فذا للتعبئة والتحريك، هز عرش الطاغية المهموم بتوريث ابنه وارعب نظامه، ومضي يطارده في عيد ميلاده.

ولا يغير في الامر شيئا ما حدث في (4 ايار/ مايو) فرغم ما قيل في اعلام النظام عن الفشل الذريع، وامتلاء الشوارع بالناس كالعادة. فالناس اعطوا لحاكمهم فرصة لعله يصدق هذه المرة، وهم ابدا متمسكون بالتغيير السلمي. اما وقد تكشف لهم ان علاوة الـ30% لم تكون سوي خدعة، تم سحبها من جيب الي جيب بعد ايام فقط بزيادة اسعار المحروقات وغيرها فقد علت موجة السخط والاحتقان الي اكثر. والحروب الشعبية لا تكسب من معركة واحدة بل معارك.

مصر هذه وشبابها في مقدمة من يتصدون اليوم للمجاعة العالمية التي تقفز من قارة الي اخري. من هايتي والمكسيك مرورا بالعالم العربي من مشرقه الي مغربه. من اليمن والاردن وفلسطين ومصر الي موريتانيا والمغرب وكل افريقيا. ولكن تظل لمصر، رغم القاع الذي وصلت اليه مكانتها وشخصيتها الفريدة الآثرة. فالعالم لا ينسي سبعة الاف سنة لأول دولة في التاريخ. فالمجاعة شغلت العالم كله، وشغلت الاعلام الغربي بكافة صحفه وقنواته، الا ان احداث مصر احتلت مكانا خاصا وبارزاً صحيفة لوموند العالمية صدرت صفحتها الاولي بصورة لشعب المحلة وهو يقاتل ومراسلها بالقاهرة اجري ريبورتاجا قدم فيه القاهرة بالصورة ما حكاه الاسواني في عمارة يعقوبيان ذاكرا انها من اكثر الروايات مبيعا في العالم. اما مانشيت الريبورتاج في القاهرة مصر السفلي تقاوم من اعلي مصورا عماراتها العتيقة الفاخرة واسطحها تحتلها جموع الجوعي والبؤساء كأنها ترهص بما هو آت من الايام!!

واصدرت احدي اكبر دور النشر اليسارية في باريس كتابا بعنوان: مصر خلف الديكور طرحت فيه مؤلفته تساؤلاً هل اصبحت مصر الرجل المريض في الشرق الاوسط؟! ام انها تحولت الي مجرد معرض للاثار والاثريات والسياحة؟

نظام مأزوم يتوحد فيه الفساد والتسلط لدكتاتور بائد، وظيفته مغلقة تغتصب الثروات وتتحلق حول السلطة.

وهو الأمر الذي لا تنفرد به مصر وحدها. ومع ذلك فقد كان لمصر مكانة فريدة ورسالتها الثقافية والمرجعية. لما كانت قاطرة سياسية ودبلوماسية في العالم العربي فالتناقض شامل بين الصورة التي تريد السلطة ان تعطيها للبلاد، وحال واقعها. بين قوة عربية مهيمنة ورائدة والحقيقة المخجلة لبلد موثق اليدين، يدور في الفلك الامريكي، محروم من حرية التصرف والعمل ما كان له زمان المجد الناصري ومن قوة سائدة ومسيطرة في الماضي، تفرض لسانها وسيماها وثقافتها، حل مكانها بلد هزيل مهمش، امام الخليج العربي والفارسي بقوته الاقتصادية وطموحاته السياسية والقنوات التلفزيونية التي خلقها تسيطر علي الثقافة العربية تحولت القاهرة الي عاصمة مهملة بالية. والمقولات التي كان يرتل بها النظام، حل مكانها جمود سياسي يغلق الباب في وجه جميع المؤسسات. والفجوة القائمة تشعل ازمة يصعب تقديرها ولكنها تحمل نذر رماد وخراب مع انفجار كان يثير القلق، وظروف سكنية بالغة السوء. وهي تقدم الانفتاح الاقتصادي الذي تحول الي هدم وتخريب للشبكات القليلة من الحماية الاجتماعية. شعب محروم من اي مؤشرات للحركة والمؤسسات الشرعية القادرة علي حمايته ورسم طريقه. والنظام يمارس قمعا لا حدود له، وقد تم خنق المجتمع المدني وكتمت انفاسه اوتاه او ضلل. والمعارضة مضروبة ومحاصرة امنيا والقوي الاسلامية ومضروبة ومحاصرة وفاقدة للإمان.

المحنة التي تمر بها مصر وخيبة الأمل تبدو من الحدة والقسوة بما يثير الدهشة.

جان زيغلر المفوض السابق للأمم المتحدة لحقوق الانسان، في كتابه امبراطورية الخزي والعار يقدم لنا المشهد العالمي الراهن. ونستطيع ان نحدد اين تقع مصر فيه. يقول: آلة جهنمية هائلة تقوم بسحق العالم واخضاعه. تتسلل خفية للسيطرة علي مقدرات كوكبنا الارض موجهة ضربات مخططة مرسومة لشعوب الجنوب، مستخدمة سلاحين من اسلحة الدمار الشامل: الديون والجوع فالدول التي تغرق في الديون تتنازل عن سيادتها، اما الجوع، ففضلا عن المعاناة والألم لشعوبها يترتب عليها تخليها عن حريتها .

وزيغلر هذا الاستاذ الجامعي السويسري لم يترك فرصة ومنذ سنين ليلفت انتباه اصحاب القرار في العالم لاوضاع الجوعي، وكذلك للأضرار التي تلحق بالزراعة في البلدان في طريق النمو والتي تقف وراءها آليات العولمة المتوحشة وميكانزمات السوق العالمي المفتوح والمنفلت من اي ضوابط.

وفي تقريره الاخير الذي قدمه الي مفوضية حقوق الانسان يتصدي لنظريات الليبرالية الجديدة وهو ما يسمي عندنا تفكير جمال الجديد !! والتي لا تعترف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما تخضع الأوهام السوق اخر المفتوح والخصخصة فعمليات تحرير الاقتصاد والخصخصة تقدمت بسرعة في معظم البلدان في تقديره خلال العامين الاخيرين وفي نفس الوقت فان من يعانون من الجوع وسوء التغذية المزمن والمهلك لم يسبق ان بلغ هذا العدد الكبير في العالم.

وزيغلر يوجه اتهامه الي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مع حكومة الولايات المتحدة ومنظمة التجارة العالمية الذين يرفضون الاعتراف بحق الانسان في الغذاء، وبقرار الجمعية العامة للامم المتحدة في هذا الشأن في (18/12/2007) كما يفرضون علي البلدان الضعيفة ما يسمي بالوفاق الواشنطي (روشتة صندق النقد) والتي تدعم سياسات السوق المنقلب والخصخصة والتقشف وضغط الميزانيات وانسحاب الدولة وتخليها عن مهامها، وفي المقدمة الحماية الاجتماعية، ما يعمق الفوارق الاجتماعية وعدم المساواة، فضلا عن تشجيعها لزراعة السلع التصديرية علي حساب الزراعات الغذائية الاولية والاساسية (وهي السياسة التي يطبقها النظام في مصر بديلا عن الاكتفاء الذاتي في الحبوب ومن قبيل ذلك سياسات يوسف والي (الشهيرة) وزير الزراعة الاسبق والامين العام السابق للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في زراعة الكنتلاب والفراولة للتصدير بدلا من القمح والذرة..الخ)

غرغرينا الليبرالية بلغة صحيفة الليومانتيه الفرنسية او طرطوف المجاعة في افتتاحية اللوموند (17/04/2008) متهكمة علي التعبئة غير المسبوقة والتحركات النشطة للقادة العالميين من باريس الي فلسطين بعد انفجار ازمة الجوع والغذاء العالمي، لمد يد العون للشعوب الفقيرة والعاجزة في مواجهة غلاء المواد الغذائية الاولية والاساسية بخاصة الارز والصحيفة تشبه هؤلاء الاقطاب وكبار المسؤولين الغربيين وكرمهم المفاجئ بينما هم اكبر المسؤولين عن الخلل والاضطراب الكوني بطرطوف موليير الشهير النصاب المخادع الذي طلب يد الابنة وخدع الزوجة ثم جرد الزوج من املاكه. انها العولمة السعيدة وسياسات الليبرالية الجديدة المسؤولة عن كل هذه الازمات وهي جذر ما تعانيه انسانية القرن العشرين.

كيف حل كل هذا البلاء؟

ما ان انفتحت الاسواق العالمية بلا ضفاف واندمجت حتي صعد رأس المال المالي، وهو غير رأس المال الصناعي المنتج، واصبحت له الغلبة والسطوة في اسواق المال. قانونه الربح والربح وحده وباسرع فرصة ممكنة ووطنه البورصات وادواته المضاربات وصناديقها من كل نوع وجنات المال في الكاريبي وغيرها ورجاله السماسرة والمافيات. ازاح رأس المال المالي هذا في انطلاقه كل الضوابط والقواعد والقيود او ما وصفته جريدة المال والاعمال البريطاني الفاينانشال تيمز بـ موت الضوابط والقوانين (22 ـ 23 /3/2008) وهو الذي صنع ازمة القروض العقارية في امريكا وافلست كبري البنوك العالمية.

هذه الخسائر الفادحة والازمة الطاحنة التي لاحت نذرها دفعت المضاربين وصناديق المضاربة الي البحث عن ملجأ امن وارض جديدة للربح والقيم المصاغة تعوض به خسائرها وملجأ للقيمة قبل كل شيء من قبيل الذهب والفضة وجدية في المواد الاولية الغذائية القمح والارز والذرة بما لها من قيمة استراتيجية. وصعدت المضاربات حولها واشتدت. فأزمة الغذاء العالمي اشتعال اسعار الحبوب واردة في الاساس هذه المضاربات في السوق العالمي المفتوح.

اضيف اليه سبب آخر لا يقل أهمية وهو الطفرة الائتمانية التي شهدتها العديد من بلدان آسيا خصوصا الصين والهند مما ادي الي زيادة الطلب في هذه البلدان مع ارتفاع دخل الفرد وتعاظم قوته الشرائية وتغير بالتبعية نمط حياته، ووجدت اللحوم وغيرها طريقها الي مائدته ومن هنا زاد الطلب علي الحبوب وبعضها لمزارع تربية الحيوان من (3) الي (7) كغم من الحبوب لانتاج كيلو اللحم، وكذلك الامر بالنسبة لمنتجات الالبان وهؤلاء مخزونهم الاستراتيجي الذي يضاعفونه قارن هذا ببلادنا التي غابت عن التنمية البشرية اصلا كما تراجع الانتاج الصناعي او الزراعي نظمت البحوث تتقدم ببلادنا الي الخلف نحو الهاوية ويجبر مواطنونا علي أكل لحوم الكلاب والحمير!

يضاف الي هذه الاسباب التحول في الدول المتقدمة الي الوقود الحيوي. فامريكا والذي لا يهمها الفلاح الهاييتي او المصري الجوعان ولا يعني لها شيئا بالمقارنة برغبات وحاجات الامريكي او الاوروبي صاحب السيارة.

كيف فاجأت بلادنا ازمة الرغيف وكيف تخلت عن سياسات الاكتفاء الذاتي وهي تملك كل امكانياته وكيف غابت عن سلطاتنا كل هذه الحقائق ونحن اول من زرع!!

ببساطة لأن بلادنا لم تعد تملك قرارها ولا مصيرها تحولت الي التبعية المطلقة لامريكا واسرائيل والامبريالية العالمية وهم الذين يولون حكامنا ويعزلونهم فضلا عن ان ثقافة هؤلاء الحكام ونظامهم لا يعدو ثقافة الامن المركزي وحتي خيالاتهم.. ولأنهم ينتمون ويمثلون اولا واخيراً فئات وشرائح طبقية من بعض افرازات العولمة المتوحشة وسوقها الليبرالي الجديد فئات ربحية طفيلية ما تحتويه الربح وحده والربح الاسرع هو هدفها الوحيد ان لم يكن السرقة والنهب سمتها الاعم.

مصر في امس الحاجة الي تغيير راديكالي جذري وغدا يرسي شبابنا لبنته الاولي ويذكر لكفاية ومثيلاتها انها علقت الجرس ولكن ما تحقق من وعي وتعبئة ينقصه التنظيم والحشد والقيادة علي الارض وقد اطلق الكاتب الوطني الكبير صلاح الدين حافظ في اهرام (26/4/2008) نداء اراه عمليا لتشكيل هيئة او جماعة من العقول المستنيرة والافكار الجديدة تضم تحول (200) شخصية في الداخل والخارج لتضع من الان مشروعها السياسي للتغيير ثم الحقه بمقال في (7/5/2008) يخدم نفس الهدف. مثل هذه المبادرة تلح الحاجة اليها في ظل الفراغ التنظيمي والقيادي الراهن، ولاتملأه اي قوة راهنة واذا كان النظام يتوهم انه نجح في اخصاء مصر ومنعها من انجاب قياداتها ودجن من دجن، فهو واهم فالفراغ علي السطح فقط والجواهر موجودة في الاعماق مصر غنية برجالاتها وكفاءاتها وعلماءها واللحظات الثورية تعزز قيادتها. لقد خلقت ثورة 19 قياداتها التي استجابت للخطة وصاغت برنامجها وشعاراتها الخالدة التي وجدت الامة وراءها وما يجري حاليا في لبنان لسرعة هذا التغيير السلمي في مصر التابعة مصر المحررة هي وحدها القادرة علي مواجهة الهجمة الامبريالية الصهيونية.