سريب - sarib

الأحد,أيار 18, 2008


يـــــــوم فـي بـــغـــــــداد121098

بغداد مدينة مفتوحة. مفتوحة على أهوالها وشرايينها المبقورة تنزّ دما وأبياتا شعريّة يتلوها الحلاّج في طوفان ثورته أو الرصافي في عزّ تلاطماته. كان المكان المذبوح من وريد نهره الأول الى وريد نهره الثاني، ليطيب في منأى عن التدمير والنهب الممنهجين. غير أن "المدينة القلب" (الموزّعة بين شارع السعدون "الشريان" و"شريان بغداد المتدفق" وحي الكرادة وشارع الرشيد وسواها)، كما يومئ الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير على غارب "يوم في بغداد" لم تعثر بعد، ومنذ اجتياحها، على حول لها أو قوة. يرجع شوقي عبد الأمير الى مرتعه وافدا من بيروت القابعة في الخلفية والتي تتقدم الى الفصل الأمامي في لحظات خاطفة تتسم بالمقابلة أو المقارنة. يعود الى بغداد في صبيحة يوم جمعة.

يتنقل في شوارعها الملقاة في مهب الاستباحة، ليتورط في تجريب طقسّي تطبيعي، مع عاصمة باتت تتجرع قوتها من كثافة غضّة: كثافة لهب المفخخات. لم يعد ناسها المفجوعون يتحدثون عن قدرية أو حتمية، بعدما تيقنوا ان حرفة التكلم توازي حرفة الكتمان. صاروا يتلقفون جمهرة الوسائل القاتلة التي تغوي أجسادهم، عُزّلاً، إلاّ من هذيان جماعي. يسيل الموت مستعجلا، وتسيل في رفقته، قريحتهم في النحت والرسم والتشخيص العاطفي على خشبة "مسرح عراقي"، كغسل مضاد للحيوات المهرقة. اليوم البغدادي الذي يحيل عليه شوقي عبد الأمير ويُدرجه كرونولوجبا في 19/10/2007، كعنوان فرعي للكتاب الصادر لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، يستظلّ بالهنيهات غير أن آلافاً من أعوام بلاد ما بين النهرين تكمن في فحواه. يمارس الكاتب التضليل المدرك جاعلا نهار العراقيين الراهن، يتمدّد الى تخوم موروث يصطبغ بالعنف، ويشحذ سطوته من أساطير "إينانا" و"الشعب ينوح" و"طريفة الخير" في قديم الرافدين الغابر، ومن أبدان المشنوقين المتدلية إبان حكم الرئيس صدام حسين، ناهيك بأبجدية السَحل منذ عبد الكريم قاسم، كرديف للثورات على تواتر الحقبات.

يستصدر شوقي عبد الأمير إخراج قيد آنياً لمدينة صحافة الفنادق، متدثرا بعباءة الدليل الميداني لسياحة الموت. وفي مقابل بسطه هذه الأنصاب الموجعة، يوثق، في ذائقة المؤرخ والراوي، ذاكرة العراق وماضيه الثقافي، راصدا تقلبات الحاكمية ومنظّرا في أحوال السياسة وباحثا في الانتروبولوجيا واشتقاقات اللغة. تخون الأزقة والشوارع ماضيها وبات متعذرا على الكاتب التعرّف الى شارع السعدون الأثير، بعدما قايض التماعه الشعري والتشكيلي والمسرحي في ستينات القرن المنصرم بأبخس أنماط التسليع: الأطراف الاصطناعية مُسعّرةً بعافية الأجساد المبتورة. يبلغ التآمر على الهوية نهر دجلة، الذي صار بعد تريّفه نهرا من طبقة أبناء الريف، مما سمح لنبات الحلفاء الطبيعي بالتسرب الى مسامه، الى درجة الاضطرار الى البحث "عن النهر داخل النهر".

المبررات الإجتماعية الطبقية في عرف الكاتب، أساس النزوع نحو الانتقام الحاقد الذي صبّ على إثر الغزو الأميركي، على المتاحف الوطنية والمراكز الفنية. في هذا المنطق، يحيي "يوم في بغداد" نظرية الباحث علي الوردي، ومحورها إمعان العسكر والحزب الشيوعي على مرّ العقود، في الاقتصاص من الحاضرة المدينية البغدادية. "يوم في بغداد" من هذا المنظار، عصيّ على جندر أدبي. ينعم بمساحة وصفية وباطنية شعرية جلية، وبفضيلة تفكيك وثاق البكائية.

يدنو نثره من يوميات ترتقي بالفظاعة الى ذراها، تلملمها في كفاحها الفوضوي، وفي عبثها ووجعها. تغور الواقعية في الواقعة الميدانية، ترصد فعل الانتقام من البنى التحتية كما الجسور، وعملية رفع التماثيل والصراعات عليها في الساحات. وتمسي القماشة الواقعية مهما تتبدل هيئتها، تصويبا لكل فكرة مسبقة أو حكم قائم. أما في شأن البغداديين قاطني النهار، فهم في الغالب، في عيون عبد الأمير كتلاً وجماعات، مارة أو باعة يحاول العنف التغلب عليهم في إنسانيتهم. خلال جولاته البغدادية يصادف شاحنة مدنية رصدت في ما مضى لحمل المواشي التي تساق للذبح وصارت تحمل نساء متشحات بالسواد. في نثر عبد الأمير فإن المجاز شاهد لا يوارب، لأن البؤس واضح وفصيح، ولا يستدعي التأويلات. يتعرق نثره التقريري بمسوّغات الظرف كما عندما يذكر "مفخخة الحلاج" في سياق استعادته لتمرد "العابد العاشق المتمرد".

في جداريته النثرية، يتبدى المثقفون أصحاب الفروقات، أبطالاً مضادين لواقعية vérisme محضة علما أنهم أيضا حماة ازدواجية ورياء. يستذكر الكاتب حادثة عمرها أربعة عقود. في ساعة متأخرة من ليلة اندثرت فيها الحواجز الطبقية، التقى وثلة مثقفين عمال الضواحي البغدادية الوافدين إليها ليسترزقوا. تحلقوا حول وجبة طعام أحفاد أحزمة البؤس اليومية، قوامها فضلات بائعي اللحم، من عظام ورؤوس وأمعاء الغنم والبقر. كانت تلك لحظة حقيقة دفعت عبد الأمير لأن يطرق سائلاً: "كيف أننا في التنظير والعربدة نلتقي هؤلاء الذين بأيديهم وبعرقهم يكابدون ويصارعون من أجل البقاء والعيش... ونحن ندّعي أننا ندافع عنهم؟". يعزف شوقي عبد الأمير "موسيقى الشعب" التي هدهدت حنين الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا. على مسافة من مأساة العراق، أقلّه ماديا، لا يتطهّر شوقي عبد الأمير في "يوم في بغداد" من تهلكة محدقة من خلال عرض يغدو إدعاء. يدرك تماما أن التصوير البصري للفظاعة نمط من أنماط الفساد الذي يتهدد ناقله كما لفتت سوزان سونتاغ في "عن آلام الآخرين".

يدلل شوقي عبد الأمير على أحقية هذا الرأي، على رغم أنف الجدار النفسي العازل بين حطام جسد واحد. ذلك أن في العراق ضحية واحدة هي "وجهان مقتولان ووجهان قاتلان".