جمهورية الحروب الأهلية

نظن أن بلدنا بلد ومطارنا مطار ومدارسنا مدارس. في لحظة واحدة، تغلق المدارس ويقفل المطار ويتعطّل البلد. تقفل الشوارع ومطاعمها ومقاهيها. ولا تعود الأرصفة مكاناً لعبور المارّة بل لظهور المسلحين، دائماً وأبداً. أسياد القتل وحرّاس جمهورية الحروب الأهلية.
تتعطّل المدارس إذاً، فيقبع الأطفال في بيوتهم، يسمعون البالغين من حولهم ينفثون أحقادهم في اتجاه "الأعداء" الموجودين على مقربة منهم، في الشارع المقابل. الأطفال الذين ولدوا، وأولئك الذين سيولدون، جيلاً بعد جيل، داخل منازل مشحونة طائفياً، متيقّظة الغرائز، جاهزة للقتال، هم وقود الحروب المقبلة لا محالة.
يظن الآتون من بلاد الهجرة لزيارة أهلهم أنّ الطائرة حين تصل إلى مطار بيروت تكون قد وصلت بالفعل، فيبلغهم قائدها لحظة وصولها أن السماء كالعادة زرقاء ودرجة الحرارة مرتفعة، لكن الطرق التي تصل المطار بقلب البلد وأطرافه، مقطوعة، وأن الدواليب مشتعلة والرصاص يلعلع في كلّ الاتجاهات.
حتى فيروز، رمز الوحدة الوطنية التي لا توجد إلاّ في صوتها، تجد نفسها على أرض المطار عاجزة عن الانتقال إلى منزلها في الرابية. صاحبة الأغنية الأشبه بالصلاة، "بحبّك يا لبنان"، تكتشف معنى العودة إلى وطنها ولا تسرّ لمن حولها بما يخالجها، في تلك اللحظة، من شعور حقيقي حيال لبنان.
نحن شعب مبرمَج للحروب. الحرب الأهلية الأخيرة التي استمرت خمس عشرة سنة وقتلت وجرحت ويتّمت ودمّرت وهجّرت، لم نتعلّم منها ولا أمثولة واحدة. انتهينا من إحصاء عدد موتانا والجرحى والمخطوفين ولم نرسم الخطوط البديهية لتجنيب البلد مجازفات دموية أخرى، ولم نعمل على تحصين القواسم المشتركة لتكون لبنة البناء الأولى للوطن. بخلاف ذلك، طوينا صفحة الحرب بدون أن نكلّف أنفسنا قراءتها والأخذ بأمثولاتها.
بلد الشراكة بلدنا. بلد المساومات المذهبية والسياسات الملوّثة بالدم. يباغتنا اندفاعنا الغريب نحو الهاوية. تباغتنا قابليتنا للفتنة. نلعن الحرب ونرمي أنفسنا فيها. حتى لتبدو بيروت صخرة روشة كبيرة. كلّ لبنان اليوم هو صخرة الروشة ونحن نتسارع إلى تسلّقها، مسبّحين بأسماء السياسيين الذين لم تجفّ بعد دماء الحروب السابقة عن أياديهم.
أمراء الحرب والعصابات، مهندسو السيارات المفخخة والقنابل الموقوتة، عادوا إلى الظهور وهم يهزّون برؤوسهم ويلوّحون بأياديهم، مهدّدين متوعدين، ونحن نسير وراءهم، متراصين متضامنين. نحمل الزعماء على أكتافنا، تجار الجثث والموت، أولئك الذين لا تحسدنا عليهم جمهوريات الموز. نحملهم ونحن نردّد كالببغاوات: "بالروح بالدم". نصيح ونبتهج: "دبكت". "يلاّ يا شباب شدّو الهمّة". "إذا ما كبرت ما بتزغر". نهتاج كثيران هائجة. نخرج من أوكارنا وفي أيادينا المسدسات والرشاشات والقذائف نصوّبها، مرّة أخرى، ضدّ البلد المصاب والمتهالك أصلاً.
في كتابه الأخير "تاريخ لبنان الحديث/ من الإمارة إلى اتفاق الطائف"، يتناول فواز طرابلسي بدقّة المؤرخ وتبصّر المحلل السياسي محطات مهمة في تاريخ البلد الصغير وعلاقته بمحيطه الإقليمي، ويكشف كيف نختلف على البديهيات وتنتصر فينا العصبيات والغرائز.
ويتطرق، بالإضافة إلى الوقائع والحوادث التاريخية، إلى النهج السياسي الذي حكم لبنان، وإلى الأسباب التي أدّت وتؤدّي إلى الاحتقان والتناحر وتحول دون "إلغاء الطائفية السياسية بما هي وسيلة لتحقيق المساواة بين اللبنانيين". في الفصل المخصص للحرب الأهلية، يتناول "الاقتصاد السياسي للميليشيات" التي عملت على نهب موارد الدولة ووارداتها وسلطتها السياسية وتعاطت معها بصفتها غنيمة حرب.
قراءة هذا الكتاب كافية ليس فقط لمعرفة ماضي بلدنا وحاضره، وإنما أيضاً لاستشراف المستقبل. ومعالم المستقبل باتت واضحة أمام أعيننا إذا ظلّ كلّ فريق منّا يريد أن يؤجّر حصته في البلد لبلد آخر، لجهة إقليمية أو دولية أخرى، ويقبض ثمن الإيجار مزيداً من الحقد والحروب والقتل والتهجير.
نصف الشعب اللبناني، في نظر النصف الآخر، خائن وقتله حلال. والنصف الآخر، في نظر النصف الأخر، خائن هو الآخر. أما الأقلية الصامتة من هذا النصف أو من ذاك، والتي كفرت بالأديان والناطقين باسمها، فمصيرها الهرب أو الاختباء في الملاجئ.
غريب كيف أنّ المغلوبين على أمورهم هم دائماً ضحايا عدوّ مزدوج: يباعون بصفتهم عبيداً ومستخدَمين، وفي الوقت نفسه يتآمرون على أنفسهم مع من يبيعهم ويشتريهم ويستبيح أرضهم وممتلكاتهم. وما لا يقتله الآخر فيهم، يتكفلون هم أنفسهم قتله، في حروبهم ونزاعاتهم التي لا تنتهي.
كتبها سريب - أحمد الفيتوري في 01:45 صباحاً ::
السلام عليكم ورحمة الله
بل الاصح وطن الحروب الاهلية ما يحدث فى لبنا يحدث مثله فى العراق والسودان وفلسطين
ما يحدث هناك يحدث هنا
وطن ضاع وتحول الى عصابات وميلشيات مسلحة بافكار متزمة ومتطرفة ودخيلة على ثقافتنا وفكرنا الحضارى الموروث
ما يحدث وحدث وسيحدث اكبر مما نتصور حروب قتال خراب دمار
قبائل احزاب طوائف
جوع مرض الم استعمار خيانة غدر تواطؤ
ما يحدث يحمل هذه العنواين
وحقا يا امة ضحكت من جهلها الامم
مع ودى وتحياتى
الريانى
الاسم: سريب - أحمد الفيتوري
