في جحيم البيرو

أياكوشو، إحدى مقاطعات البيرو، عام 2000. يجري التحضير لأعياد الفصح. بعد نقله من ليما إلى هذه المدينة التي أمضى فيها طفولته والتي يعني إسمها بلغة الكيشوا الأصلية، ركن الأموات، ها هو فيليكس شاكالتانا سالديفار يُعيَّن نائباً للمدّعي العام في حي هوامنغا. يشعر بأنّه وحده، ليس لديه سوى والدته يحادثها. لكن سرعان ما نكتشف أنّها متوفّاة منذ زمنٍ طويل. هكذا يضعنا الكاتب منذ البداية فيما يسمّيه الجحيم: حيث الأموات لا يموتون. ليس في أياكوشو سوى أموات. يبيعون الصحف، ويقودون حافلات النقل العام، ويصنعون سلعاً تقليدية، ويخدمون على الموائد.... يتجذّر هذا الكابوس في ماضٍ من عنفٍ بعيد في التسعينات، ضمن الحرب الدموية ضد منظمة الدرب المضيء. وبالفعل، فأوّل قضية تُعرَض على النائب العام تجعله يعتقِد بأن الحرب قد استؤنِفَت. أليست الجثة المتفحّمة التي وجِدَت في مستودع التبن داخل منزلٍ فلاحيّ في قرية كينوا من فعل إرهابيين؟ يرفض أعضاء القوات المسلّحة المسيطرة في هذه المنطقة هذا الاستنتاج. ويقول له العسكريّ الذي قاد العمليات المناهضة للتمرّد: أنت تفكر كثيراً يا شاكالتانا. ما هو واضح خصوصاً هو أنّ السلطات لا تريد إخافة العشرة آلاف سائحٍ القادمين للتمتّع بفخامة الاستعراضات، أو تعكير صفو الانتخابات الرئاسية التي يترشّح فيها من جديد السيّد ألبيرتو فوجيموري. نيسان/إبريل الأحمر التي تترافق فصوله مع مراحل الجمعة العظيمة، هو أكثر من رواية أحداث مرتبطة بالإثارة وبالسرّ المحيط بجرائم قتلٍ رهيبة. إنّه غوصٌ عظيمٌ في تاريخ وثقافة البيرو، البلد المأساوي والمنقسِم، الذي ما زال يحمل جراح الغزو الإسباني وسحق الهنود. بات البلد بالطبع سيّداً مستقلاً، وتبقى من ذلك آثارٌ في سهوب الكينوا. السلام كان مهيمناً فوق. فلا حضورٌ سوى لمسلّة الرخام الضخمة التي تمجّد النضال من أجل الاستقلال، والتي بنتها الحكومة العسكرية برئاسة (خوان) فيلاسكو (ألفارادو). لكن الاستقلال لم يأتي بالعدالة. سانتياغو رونكاليولو ينتمي إلى الجيل الجديد من كتّاب أميركا اللاتينية؛ يعرف كيف يجسّد شخصيات تشهد على هذه المأساة: الأب كيروز، كاهن كورازون دي كريستو، الواضح الرؤية مع هؤلاء الهنود الذين يضعون قناع المسيح على الباشاماما، الأرض-الأم؛ العقيد كاريون المسؤول عن فظائع عدّة ولكنه ضحيّة بدوره لمصالح الدولة العليا؛ وإديت، إبنة مناضلين منضوين في الدرب المضيء سقطوا خلال هجومٍ ضد ثكنةٍ للشرطة، والمغرمة بفيليكس شاكالتانا الذي يحبها ويغتصبها؛ والسجين هرنان دورانغو غونزاليس، المعروف بالرفيق الونزو. رواية مرّة، مؤثّرة، ذات سخريةٍ سوداء وحيث الفصول المقطّعة بصفحاتٍ من الهذيان؛ يُفترَض أن فلاح أمّي قد كتبها: سنحرق الزمن وستخلق النار عالماً جديداً.
كتبها سريب - أحمد الفيتوري في 01:03 صباحاً ::
الاسم: سريب - أحمد الفيتوري
