زهرة الشيخي

كتبهاafaitouri ، في 29 يونيو 2009 الساعة: 00:58 ص

رفقا بكبارنا..
 
بالأمس القريب عندما توفي احد أقاربنا.. حاولت أن أتذكر منذ متى لم أراه ؟  متى كانت له آخر زيارة لبيتنا ؟ و منذ متى آخر زيارة لنا ببيته أيضا ؟ .
هل حاولنا نحن الصغار أن نشعر كبارنا بمحبتنا لهم حتى بعبارة   نحن نحبكم.. او نحن نحتاجكم معنا .. لكم نحن مقصرين في السؤال عنهم ؟؟  كم تعمنا الحسرة علي احدهم عندما نخسره هكذا فجأة دون ان يجد هذه العبارة مقروءة علي جبين كل من يعرفه و حتى من لا يعرفه .. فالفقد مر .. ولكن الأمّر أن تفقد عزيزا و لم تخبره يوما بمحبتك و احتياجك له  .. نحبكم كما انتم ..نحتاجكم لتربتون علي أكتافنا تشجيعا او مباركة  كلما سمعتم أن احدنا نجح او تزوج او رزق بطفل ..نحتاجكم لتمسحوا رؤوسنا ببركة أنفاسكم الزكية.. ولتدعوا لنا بعمي عين حاسدنا ..
نحتاجكم لتحكوا لنا حكاياتكم القديمة التي نعشق سماعها منكم .. نحتاج متابعتكم لنا و نصحكم نحتاج محبتكم..
للأسف لم أتذكر آخر مرة رأيته فيها.. وحتى في زياراتنا لهم أحيانا لم يسعفنا الحظ في مقابلته لنا .. كان شيخا كبيرا أتذكر خده الخشن بشعر لحيته عندما نقبله أنا و إخوتي و هو يقول ما شاء الله .. ربي يصون   ..و يداه النحيلتان اللتان تقبضان علي اكفنا في محبة تستشعر سريانها بالدم..
لم ينطفئ يوما  عود السيجارة من يده .. فساعة بساعة يوقد السيجار حتى تطفئه آخر رشفة لهذا  السم الذي تغلغل في جسده الهزيل .. كثيرا ما نصحه الأطباء بضرورة ترك التدخين لتدهور حال رئتيه و لكنه لم ينصت يوما إلا لما تمليه عليه نفسه ..
في ذلك اليوم عندما كنت جالسة أراقب المرضي و مرور ساعات الغسيل الدموي .. استدعتني احدي الطبيبات بضرورة إجراء عملية الغسيل الدموي لأحد المرضي بالطابق العلوي.. اسمه الحاج علي الختان .. كان أبنائه هم من قاموا بالتوقيع علي الموافقة ببدء العلاج .. صعدت الطابق العلوي و  بدأت في تحضير الجهاز الخاص به ..
كانت الطبيبة تخبرني بان حالته متردية و هبوط الضغط و تراكم السوائل بجسمه جعلا ه أكثر مرضا و تعبا .. ويجب إجراء الغسيل الكلوي في مدة لا تقل عن الثمانية ساعات ..
كان الحاج يقطن خارج مدينة بنغازي  يناهز السبعينات من العمر .. ولمشاكل الجهاز البولي و غدة البروستاتا تدهورت التصفية الكلوية للبول و سموم الجسم .. ذو حاجبين ذات شعر طويل و ملامح طيبة..
عندما دخل الغرفة كان يرفض الحراك من الكرسي المتحرك و انه يتوجب علي ان  أتفهم حالته في عدم مقدرته صعود سرير العلاج و ذلك لتضخم حجم ساقيه نتيجة تراكم السوائل بها !!
كان لوجود أبنائه القدرة في  التأثير عليه و إقناعه بضرورة وجوده بالسرير لعدم احتماله الجلوس طيلة ساعات العلاج !! و خصوصا لانتفاخ أرجله بالسوائل ؟؟؟
و بعد جهد جهيد و بحركة بطيئة نهض الحاج من الكرسي المتحرك ليستلقي بسرير العلاج .. كان أبنائه يساعدونه في اعتدال و ضعه ورفع أرجله من الأرض ..كان كلما لمسنا رجلا صاح ألما حتى باتت السوائل تنضح من مسام جلده المشدود  .. حقيقة كانوا ثلاثة أبناء و كل منهم يحاول مساعدته من جهة و تلبية ما يطلب .. و لكن ما كان ظاهرا لي ان ابنه الأكبر هو الأقرب إليه من الجميع .. قمت بالغيار علي قسطرة العلاج الوداجية و من ثم بدأنا العلاج رغم تأفف الحاج وعبارات السخط و الكره للمستشفي و المرض .. أخبرت أبنائه بضرورة التواجد خارج الغرفة حتى ينهي ساعات العلاج .. وما ان سمع الحاج ما قلت حتى قبض علي كف ابنه الأكبر و طلب مني ضرورة تواجده معه و إلا فسينهي الجلسة  الآن ..رضيت مرغمه ليستمر بالعلاج   أخبرت الطبيبة بما حدث حتى الغي مسؤولية دخول ابنه غرفة العلاج من علي كاهلي   .. فقالت لي ( خلي ولده معاه لان حالة الحاج حرجة و محتاجة للغسيل بشكل فوري )..
كان الحاج يشد بقوة علي يد ابنه .. طلب منه الجلوس علي السرير ساندا له ظهره .. كان ابنه في غاية الهدوء و اللطف .. يدلك له ظهره في خربشه حنونة و يمسح علي ذراعيه و هو يقرأ شئ من القرآن و الأذكار النبوية ..
كان الحاج يهدأ قليلا ثم يعود لسؤالي مازال ؟؟ ..كم مازال من الوقت ؟؟..
ابنه يجيب عني بقوله :  شوي أخري بس ..
اخبرني ابنه أن الحاج لم يأكل اليوم و هو يخاف عليه من هبوط السكر..
بعد مرور أكثر من ساعة أكل الحاج علبة من الزبادي و قطعة صغيرة من ثمرة التفاح .. ورفض الاستمرار بالأكل و لكن بإلحاح الابن الطيب تراجع عن رفضه..
 اما باقي الأبناء فكانوا يتابعون حالته عن بعد ..
استغرب احدهم كيف أني استطعت التغلب علي رفض الحاج للغسيل ؟؟
قلت له أني لم افعل شئ !! لكن بمداراته و مساعدة الابن الأكبر  رضي العلاج ..
في احدي كتاباتي السابقة بعنوان ( يوم لامي ..) عندما   قرأها احد أصدقائي .. اخبرني ان المقال اثر في نفسه و تذكر انه لم يزر أمه منذ ثلاثة أشهر كان يخبرني ذلك و دمعة تدور في جفنه يحاول مداراتها .. 
سألت نفسي لما كل هذا التقصير ..
يفرحني كثيرا اهتمام الأبناء بالآباء خصوصا و هم شيوخا.. نظهر محبتنا لهم .. نشعرهم باحتياجنا لبقائهم .. نساندهم   ..نسمعهم .. نحكي لهم ما فعله صغارنا من أشياء مضحكة ستجدهم يترقبون حضورك وان غبت يسألون عنك .. يدعون لك بدفع الضرر و الحسد عنك .. اذكر ما أخبرتني به أمي أني في طفولتي كانت لي وجنتان ورديتان منذ ولادتي فكانت جدتي – رحمها الله – عندما نزورها بالأعياد وتلتقي الكثير من العوائل في البيت تقوم برسم خطوط من رماد الفحم علي وجهي حتى تدرأ عني العين الحاسدة
هذا هو حنانهم .. هذه هي محبتهم .. بسيطة لدرجة السذاجة و عميقة لدرجة لا منتهية.
حفظ الله كبارنا في صحة و عافية حتى يروا منا ما يرضيهم عنا  .
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب زهرة الشيخي, يوميات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “زهرة الشيخي”

  1. شكرا للاخت زهرة الشيخي لانها استطاعت اقتناص لحظة حياتيةعابرة لتحولها الى نص ينضح احساساوانسانيةولكن عليها الاهتمام قليلا باللغة لان النص به بعض الاحطاء اللغوية ومنها على سبيل المثال:
    ليستلقي بسرير العلاج…والصحيح على سرير العلاج
    وخصوصا لانتفاخ ارجله بالسؤئل…والصحيح رجليه
    كان ابنائه….والصحيح كان ابناؤه
    وغيرها من الاخطاء
    وشكرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر