رجب الشلطامي
كتبهاafaitouri ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 01:47 ص
الكلاب والبقايا …
دلفت المرأة داخل المكتب ، ووقفت ترقب الموظف الذي كان يبحث في أوراق أمامه ، ثم جلست على الكرسي الذي يلاصق المنضدة ، وتنهدت كأنها تزيح تعب مشوار مضن ، سألها الشاب:
· نعم أي خدمة .
· لم أجد اسمي في خزينة الصرف ؟.
· بطاقة المعاش معك .
· نعــــم .
ومدت إليه بكتيب تتوسط صفحته الأولى صورتها واسمها ، ففتح الدرج وأخرج منه ملفاً فيه عدة بطاقات كبيرة للأجور الشهرية . وعندما أخذ يقلبها بحثاً عن اسمها دخل عليه أحد الموظفين ، مسلطاً نظره نحو المرأة يتفحصها من حذائها حتى رأسها ، وأحست المرأة باختراق نظراته بكل وقاحة فسحبت طرف جردها مختفية خلفه ، ثم وجه حديثه إلى الجالس ، وهو مازال يتفحصها :
· أريد أن أعرف ما إذا كان هناك فائض في بند النثريات ؟
· لا .. لا يوجد لقد أخبرتك بذلك أمس وأمس الأول .
· هل لي أن أتأكد بنفسي بالإطلاع على السجل حتى أكتب رسالة بذلك .
· أنا متأكد.. لا يوجد فائض حتى ولا مليم واحد .
· حسناً .. سأنتظر حتى تنهي شغل هذه السيدة !
شعر الموظف الجالس بأن إثارة هذا الموضوع الآن لابد أن تكون لغرض ، وعندما رفع بصره التقت عيناهما في شبه استفسار ، فما كان من الموظف الواقف إلا أن غمز الآخر غمزه خفيفة ذات معنى ، الأمر الذي أفقده صوابه تقريباً ووجد نفسه يمد يده نحو السجل المطلوب ويرمى به إليه حتى ينهي هذا النقاش ، وبذلك فلم يكن هناك مبرراً لبقاء الموظف الثاني . لحظات ما عاد خلالها إلى عملية البحث عن اسم المرأة ،حتى دخل موظف آخر ، ووقف كالأول يتفحص المرأة ثم طرق الموضوع مباشرة :
· فيه خفير لم نجد اسمه في الخزينة .
· سأبحث عنه اترك لي بطاقته .
· سأنتظر حتى تنتهي .
وذهب ليأتي بكرسي يجلس عليه في مواجهة المرأة .. وتضايق الموظف من هذا التصرف ، فهو يعرف تماماً إن هذه عادة بعض موظفي المصلحة كلما جاءت إمرأة للاستفسار ، يأخذون في التردد على المكتب الذي تدخله ، بحجج ملفقة ، وكان إذا ما حدث له ذلك يجد نفسه مضطراً لأن ينهي أعمالهم التي جاءوا متحججين بها لكي لا تزدحم بهم الحجرة :
· حسناً أين بطاقته .. سأنهي طلبك أولاً .
· لا والله المرأة أولاً .
ولكن المرأة قطعت عليه خط الرجعة كما يقولون :
· لا معلش يا أبني .
· ما يصحش السيدات قبل !
· يا أخي أين البطاقة ؟
· ليست معي .. أعرف أسمه بالكامل .
· البطاقة ضرورية .
· شكراً .
وبخروجه عاد إلى عملية البحث ، وهو ينظر ما بين البطاقة والأسماء التي أمامه وعندما أخرج الملف الثاني كان جرس التليفون يملأ الحجرة برنينه البطيء .. فرفع السماعة وجاءه صوت المتحدث :
· أيوه .. هو أنا … ماذا؟
· المرأة التي بجانبك جميلة وتستحق عملية مغامرة .
· يا راجل عيب .
· أنت غير أفهمني .. سيارتي جاهزة وفيها كل الطلبات .
· يا سيدي شكراً أبحث عن غيري .
· أنت غير أسمع .. فرصة .
· يا أخي يجب أن تخجل .
إنه الموظف الذي جاء يسأل عن بند النثريات يتحدث من المكتب المجاور .
ورمى السماعة بقوة لتنام على الجهاز .. وهو يكاد ينفجر وأخذ يفكر في هذه التصرفات ، لقد تعودوا على مثل هذه الحركات ، كلما جاءت امرأة .. وكأن كل واحد يريد أن يثبت رجولته في عملية " النطر" أمام الآخرين .. وسرح من جديد في عملية البحث بين البطاقات وفي نفسه قرار بأنه في هذه المرة سيضع حداً لتصرفاتهم ولو أدى ذلك إلى أسوا الاحتمالات .. وتوقف عند بطاقة كانت ملصقة بها رسالة وعندما تفحصها وجدها تخص المرأة الجالسة بجانبه .. وأخذ يقرأ الرسالة :
* " نرجو التكرم بإيقاف أجر العاملة المذكورة أعلاه نظراً لتغيبها عن العمل مدة يومين دون عذر شرعي ، وذلك إلى حين إشعار آخر ، واقتناع هذه المصلحة بمبررات الغياب " .
ورفع الموظف رأسه بعد أن انتهى من قراءة الرسالة ، فطالعه وجه المرأة ، كانت متوسطة العمر وتحت شفتها السفلى خط عريض كجريدة النخلة في رسمها ولونها وعلى جبينها علامة تشبه أحد الأحرف اللاتينية بينما نامت على أنفها شامة من نفس اللون ، قمحية البشرة تلتحف بجرد أبيض ، وقد دست قدميها في حذاء أسود رخيص مخفية ساقيها بجورب لم يظهر من لحمها ما يغري بالفرجة :
· يا خالتي .. فيه رسالة بإيقاف معاشك .
· لماذا ؟ .. " بفزع " .
· الرسالة تقول بأنك تغيبت بدون إذن أو عذر .
· لقد أخذت تصريحاً من رئيسي .
وفجأة أخذت تبكي وقد نفرت من عينيها الدموع وهي تغالب نفسها بأن لا تفعل ذلك أمام الموظف الذي أخذ ينظر إليها مشدوهاً :
· والله .. لم أغب هكذا .. رئيسي يعرف السبب .
· نحن لدينا رسالة لا نستطيع مخالفتها .
· لقد غبت لأن ابنتي الصغيرة مريضة بالحصبة وكادت تموت لو لم أبق بجانبها .. لقد حملتها إلى الطبيب في منتصف الليل .
ثم مدت يدها إلى داخل جردها تتحسس شيئاً وأخرجت "روشيته" بها قائمة أدوية لم يفهم منها الموظف سوى طريقة الاستعمال المكتوبة بالعربي واسم الطبيب المطبوع في أعلاها .. ومد إليها بالورقة وهو يهز رأسه في حيرة بينما المرأة مازالت تبكي :
· ابنتي مريضة..ولم اشتر الدواء حتى الآن.. لقد أخذت أذناً من الرئيس المباشر.. إنه يعرف سبب غيابي .
· ربما حدث سوء فهم لدى المصلحة .. عليك بإقناع المدير بقبول عذرك .
· أقسم بأن لدى رئيسي العلم بأن ابنتي مريضة ولم اشتر الدواء لأنني لم استلم معاشي .
· أذهبي للمدير .. كان بودي مساعدتك .. ولكن الرسالة لا نستطيع مخالفتها .
· عندك حق .. لا يشعر بالنار إلا إلى عافسها !
وعندما خرجت المرأة ، كان صوتها مازال يتموج داخل الحجرة ، وهي تنخط حتى لا يرتفع صوت بكائها .. في حين أخذ الموظف يجمع الأوراق ويعيد مطالعة الرسالة من جديد .. ومنظر المرأة ودموعها و" الروشته" لم يفارقه بعد .. وشعر بأن أحد الموظفين يقف بجانبه وهو يتساءل :
· في أي قسم تعمل .. أشهد في ديني " أنها خاربة " ؟
· لا أدري .
· لو كنت مكانك لاصطدتها .
· شكراً .. لست كفؤاً لذلك .
· أنت مسكين حارم نفسك .. والفرصة بين أيديك .
وقبل أن يحتد الجدل بينهما ، كانت المرأة قد عادت من جديد ووقفت أمام المنضدة ، وبالقرب منها الموظف الذي كان يتحدث عن اصطيادها ، وقد أخذ يتجه نحو الباب مغادراً الحجرة :
· ماذا حدث .؟
· قالوا المدير مريض من أسبوع ونائبه لم يأت من أربعة أيام .
· عليك بالصبر !
· ولكني لم أتغيب أقسم بالله .. ورئيسي يعرف السبب .
· إذن من أين علمت لإدارة بغيابك .
· المدير غائب ونائبه كذلك فمن أوقف معاشي.
· المصلحة كلها مدراء ! !
· ولكن ابنتي مريضة بالحصبة تريد رعاية .. وزوجي متوفي .
· ما ذنبي لا أستطيع عمل أي شيء .
· معلش الدنيا بالوساطة والآخرة بالعمل .
ولم تجد المرأة أي أمل في عملية الوقوف هذه ، وإثبات عذرها للموظف فخرجت وهي تغالب خيبة الفشل ، وضم الموظف أوراقه ورمى بها في الدرج في حالة تذمر شديدة .. وهو يفكر في كيف يستطيع أن يقنع امرأة كهذه وغيرها من المترددين بعدم جدوى الشكوى إلى أمثاله ، والمدير نفسه غير موجود ونائبه غائب ، ربما في رحلة صيد ، وقفل الدرج ووقف وهو يزفر ، ثم ضرب المنضدة بقبضته فأحدث صوت فرقعة عالية ، وترك الحجرة متجهاً نحو المكتب المجاور المطل على الشارع ، ووقف خلف النافذة يشاهد السيارات وهي تمرق في سرعة ، بينما الناس يسيرون بوجوم يتبع أحدهم الآخر كالقطيع ، ودراجات يمتطيها بعض الصبية في عملية سبق ، وقد شارك صراخهم أبواق المنبهات ، وعندما رفع بصره رأى في أخر الشارع المرأة ذات الجرد الأبيض وهي تسير على الرصيف .. وخلفها بعدة أمتار على الطريق سيارة تسير ببطء، وعرفها فوراً ، فقد كانت سيارة الموظف الذي دخل يسأل عن بند النثريات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب رجب الشلطامي, سرد | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























