محمد المـفـتي

كتبهاafaitouri ، في 11 نوفمبر 2009 الساعة: 01:52 ص

 

..عن الاهليستا وأحلام سوق الظلام
 
مسـاء الخميس 29 أكتوبر .. فجأة .. اندلع في شارع دبي .. صـوت كلاكسات السيارت .. وهتافات منـغــّـمـة كالأناشيد .. تركتُ الكمبيوتر وخرجت .. ’’الأهلي فاز ع النصـر‘‘.. لم أكن أدري أن هناك مباراة حاسـمة؟ شباب في سـياراتـهـم وعلى ظـهـور سيارات قـلـع أو دايـْـنا .. يلوّحـون بأعلام حمراء و بيضاء .. حالة من الهستيريا .. الجـو بارد وممطـر .. لكن حرارة الحماس كانت كافية. حوالي الحادية عشر خرجت بسيارتي .. كان شارع البيبسي مكتظا .. " يا حويج .. الشارع مسـكـّـر .. رد .. رد يا حويج ..‘‘ ، وأوقف الشاب السيارات لكي أسـتـدير وأعـود أدراجي.
غـيـطــة
هل هذه الاسـتجابات الحماسـية امتداد للغـيـطة البـنـغــازية؟.. أغاني وأهـازيج الأعراس بما تنطوي عليه من تحديات.. وزمان كانت هـناك أيـضا ظـاهرة عيال البركة وعيـال البلاد، وهي أقرب ما تكون لقبـائل المدن، تتـقاتل بالحـجــارة عـنـد مدخل ملعـب البركـة .. وهـتافات مثل " نحنا فوق سنب جردينا واللي يبي الحرب يجـــينا " .. وهـناك اليوم عالميا شغب جـمـهـور الكرة الإنجليزي بشهرتهم أو على الأصح سـوء سـمـعـتهم؟
ما الذي يجمع كل هذه المشـاهـد؟ ما القاسم المشترك بينها ؟ تنفـيس .. عنف غريزي .. روح القـطيع ؟
الرياضــة بديـــل للـعـدوانية ؟
الرياضة تـشـبه عراك الحيوانات الفـقارية الراقية كما تـفـعل جـراء الكلاب أو القـطـط الصـغـيرة أو أشـبال الأسـود مثلا .. لكن هذا اللعب عـنـد الحـيوانات ليس تنافسيا , أما في الرياضة فالمنافسة والمباريات أساسية. ولهذا فإن الرياضة البشرية تنطوي على شعور بالفخر وعلى عدوانية لا نجدها في لعب الحيوانات.
الرياضة القائمة على مباريات الفرق (مثل كرة القـــدم أو السلة أو الكرة الطائرة ) بديل للعدوانية .. و للحرب .. أو هي حرب "بروح رياضية". هناك هـجـوم ودفاع ولكن ليس بالسيوف أو البنادق ، بل بكرة مطاط. والهـجـوم ليس على البشر وإنما نحـو المرمى.
ولهذا يبدو أن الرياضة قد تولدت أصلا عن عراك عدائي جاد، ولعلها تطورت على الأرجح من الحروب القبلية في فجر الحضارة.. عراك تـمّ تـحـويلـه إلى طـقـوس بابتكار شتى القـواعـد والقـوانين لضـبط سـلوك اللاعـبـين .. فأنت لا تعتدي على لاعب من الفريق المقابل، ولا تعكــّـفـه لتسـقطه على الأرض .. وإلا كان جـزاؤك ببطـاقة حمراء.
 الرياضــة قـيم نبـيـلـة
ويـبــدو أن الوظيفة الأساسية للرياضة تكمن في تخليص الإنسان من الدافع العدواني، إلى جانب أهميتـها في الحفاظ على الصحة.. بل هـناك من ذهـب إلى ’’أن الرياضة توفر لنا صمام أمان صحي لأخطر أشكال العدوانية المتمثلة في الحماس القتالي، الذي يسـتنـجـد به مثـيروا الحروب‘‘.
والتشـابه بين الرياضـة وقـيـم الحروب واضـح … مثل فضائل المقاتل النبيل ، كاستعداده للتضحية في سبيل الآخرين، وانصياعه لنظام فريـقـه … وأخيرا رابطة الصداقة القوية بين أعضاء الفريق الرياضي التي تشـبه روح الترابط بين أعضاء كـتيبة عسكرية أو طـاقم ســفــينة أو غـواصـة .
الرياضــة ضـد الحـروب
ويرى بعض المفكرين أن للمسابقات الرياضية العالمية أهـمـية لإبعاد خطر الحرب عن البشرية. فهي تهيئ لقيام صداقات شخصية بين أفراد من أمم وثقافات مختلفة .. مما يـقي ضـد تأجيج العدوانية الحربية. فـفي الحرب يسـود تصـور بأن " الآخرين " ليسوا بشرا حقا بل حيوانات وخـنازيـر ..إلخ. والجهل بهوية الشخص المستهدف بالهجوم يـيسر السلوك العدواني كأن تـقـصـفه بالمدفـعـية أو الطـيــران.
ولـهـذا فإن شخصا بسيطا قد يشعر بكراهية حقيقية لجماعة غير محددة كأن يكره " الشـيـعـة " أو" الأفـارقـة" أو اليهـود أو " محض الأجانب ".. الخ، وربما شتمهم صراحة وعلنا ، ولكنه لن يتجرأ أن يفـصـح عن هـذه القناعات في حضـور شخص بعـينه من أبناء هذه الجماعات وجها لوجه. وسـيكون من الصـعـب على جـندي ، كان مثلا في فرقة تسـلق جبال ، أن يقصـف مدينة أحـد رفاقه في تلك الفرقة!
الفـريـق الرياضي .. جيـش ســلمي
هؤلاء الشباب ، معظمهم من مواليد التسعينيات .. لا يعرفـون شيئا عن التاريخ أو السياسة .. لكـن هـذا الانحياز والحماس لفريق النادي الأهلي، يعكس ارتباطا تاريخيا بين النادي ومجتمـع المدينة.
وهذه العلاقـة ليست فريدة، بل تتكـرر في كل مدن الـعـالم ، ولكل مدينة نادي يمـثـلـها .. فهل النادي ، أي نادي، في مدينـتـه .. هل هـو امتــداد سـيكولوجي لجيش المدينة في عصـور سـابقة .. حين كان لكل مدينة جيشـها الخاص؟!
الأهلي ومدينة بنغازي
النادي الأهلي، ولــد أصـلا من رحـم الحركة الوطـنية .. وبالتحديد جمعية عمر المخـتـار التي كانت صـوت بنـغازي في الاربـعيـنيـات ، منادية بالاسـتقلال ووحـدة ليبيـا. وقام النادي على الاشتراكات والتبرعات الشـعبية. ومثله في طرابلس كان نادي الاتـحــاد الذي ارتبط بالحركة الوطـنية وبالمـؤتمر الوطني.
 وبدأ فـريـق الأهـلي كمنتخب لبنـغـازي، بخوض المباريات مع فرق الجيش البريطاني والأسرى الألمان المقيمين في معسكرات المدينـة.
الشريحـة الوطـنـية من مثـقـفـين وتجـار وموظـفين هي التي أسـست النادي الأهلي، الذي أمسى بالتالي مـعـبّرا عن طـمـوحـاتـها في أن يكون مجتمع بنـغـازي بوتـقـة يلتقي فيـها كل الليبيين .. من سـكان راسـخين إلى حديثي الهـجـرة ، ليس فـقـط من أرجـاء ليـبـيا بل حتى من المغرب وتونس ومصر وكريت .. لهـذا اكتسـبت بنـغــازي، مع مرور السـنين لقب " ربـّاية الذايـح ".. لأن القادم إليها قـد يكون صاحب مال أو علم أو حرفـة وبالتالي سـيـسـاهم في ازدهـار المدينة. 
النــادي والهـويــة …
لـقـد كانت الرياضـة دائـمـا هـوية متسـامية .. تسـمو فـوق الانتماءات التقليدية. هـدف الرياضـة هـو الـفـوز .. والفـوز لا يتـحـقق إلا بالآداء الجـيد .. ولذلك فما يـهـم في أي لاعـب هو موهـبـته ومـهـارتـه ، وانضـباطـه في الملعـب وأثـنـاء التـدريب .. أما لـونـه أو قـبـيلتـه أو أصـله أو حتى دينه ولـغـته ، فكـلها أمور ثانوية في سـاحة الملعب. يصدق ذلك على كل نادي أو فـريق.
ما يتـفـرد به نادي الأهـلي، جـاء وليد صـدف تاريخية .. فـقـد كان الأقـدم، وتأسـس في فترة الأربعينيات في وقت كانت فيه الرياضـة عـنـصـرًا في نمـو الوعي الوطني .. حين كان الـفـوز على فريق الجيش الانجليزي نـصـرًا مبـينا، وكان سـفـر فريق كرة القدم إلى طرابلس أو مجئ فريق من هـناك انجـازا على طريق الوحـدة الوطـنية.
ولـهـذا أتـساءل: هـل سـبب تـعـلـق أهـل بـنـغازي بفريق الأهلي .. لأنـه يـعــبر عن روح المديـنـة الأكثر حضـريـة .. وبالتالي يجـسـد كل أهل بـنـغازي بغـض النـظـر عن أصـولـهـم القـبـليـة والجـهـوية ؟
وهل الشـبّـوب الملتحـف بـغـلالة النادي والممـتـطي سـيارة قـلـع، إنـما يهـتـف للـفـريـق الأهـلي .. لأن انتـماءه للأهـلي يجـعـلـه يشـعر بأنه بـنـغـازيـنـو ميـّــه في الميـّــه ؟
ثم إن الشباب المحـتـفـلين، هـم من أبناء الأحياء الشعبية .. لا يعرفون سياسة ولا تاريخ. لكنـهم عاطلون أو لا يرون من المسـتقبل سـوى أنـه مـعـتـم! فهل فـقـرهـم وبطالتـهم هي ما تـجعل ألوان الأهلي البراقـة .. مصدر فرحـهـم الوحـيد؟!!
ولـكـن ؟
على أيـة حال، وبينما كنت أقـود سـيارتي عائدا إلى البيت، مرت بذهني خـاطرة بأن هذه التحـليـلات .. ليـسـت إلا تأمـلات عـقـول من خـارج الملـعـب بـحـثــًا عن الدلالات البـعـيدة .. لكن الرياضـة لـعـبة لمن يمارسـها .. ومتـعـة لمن يشـاهـدها .. وفي الحـالين تـثــير فـينـا ما يذكرنـا ببـراءة اللعـب في زمن الطـفـولة .. حين كنا نطارد بـعـضـنا البعض في لـعـبة الليـبرا أو الغـمـّيضـة .. أو نركل كرة ولو من شـخـشــير محشيّ بقطـع القماش!! 
 
///////////////////////////////////////////////////////////////////
أحلام في سوق الظلام
 
 
أمام مدخل المسجد ، بعد صلاة العشـاء .. وقفـت مع شــايـْـبـَـيْـن .. من أصـدقاء والدي .. تاجريْـن من تجار أيام زمان.
            ’’ والله .. والله .. بنغازي قبل سـتين سـنة كانت أحـسن‘‘.
            ’’ يا حـاج .. مرّات تبالغ؟‘‘
            ’’باهي خليني نسألك .. فيه عندكم مراحيض عمومية .. كان عندنا زمان .. فيه عندكم أرقام للبيوت والدكاكين ، كانت عندنا .. فيه سـاعي بريد تـوّا ؟ زمان فيه أمان؟ ومافيش غـش؟ ..‘‘.
            ’’ لكن يا حـاج بنغازي فيها الآن مليون نسمة .. زمان سـتين ألف .. المشاكل طبعا لازم تزيد .. وبعدين قـول لي .. كان عندكم موبايل؟ انترنت؟ سـيارات بهذه الكثرة؟ كان فيه نساء يشـتغلن؟ كان فيه نساء يســوقـَـن؟‘‘
            ’’ شـوف .. نـعـطيك مـثـال .. جريدة الوطن في الأربعينات كانت تطلع الساعة ثلاثة في الفجر .. صـحـيـفة البشائر ينزلها عوض زاقوب الساعة ثمانية في الصـبـح .. جريدة الحقيقة توصل للقاهرة الساعة سـبـعة في الصباح .. الآن قورينا توزع بعد المغرب .. يعني بايته .. والأخبار موجـودة في الفضائيات أول بأول .. يعني الآداء أقل مما كان زمان‘‘.
            ’’ باهي نقولك خبـر يـسـرّك .. فـيه مشروع لإعادة بناء سوق الظـلام‘‘.
            ’’ أحـلـم !! .. باهي والسوق الجديد ، الخرساني إللي بنـوه الكوريـين.. ليش الفسـاد .. هـدم سوق الظلام القديم واجـعـنا .. لكن إللي داره واحـد مـهـووس .. على أي حال توا في دار الحق . بينه بين ربـّي .. ترك لنا ذكرى مؤلـمـه .. وخلق مشـكلة للدولة .. مشكلة مـعـقـدة‘‘.
            ’’ وليش ما عـوضوا الملاك إلى الآن .. موش أحـسـن من إعادة بنـائه؟‘‘.
تــاريـخ
سـوق الظـلام شـيد في العـهـد العثماني .. وتعرض للحريق سـنة 1906 .. وأعادوا بناءه. كان سـوق الظـلام جزءًا من ازدهـار المدينة الاقتـصـادي .. ولهذا رافقه توسيع وإعادة بناء الجامع العتيق وجامع عصمان .. وأيضا الكنيس اليهودي في شارع الصابري .. وبناء البلدية التي أعاد بناءها الطليان.
وفي الخمسـينيات تألـق بين تجـاره المرحوم الحاج عبد الحـفـيـظ شـمـسه الذي اشترى ماكينات خياطة ووزعها على بعض البيوت لتشجيع النساء القادرات على العمل المنتج دون الحاجة للخروج من بيوتهن .. وعلي مصباح الذي كرّس سـنوات لجمـع التبرعات للثورة الجـزائرية، مرتديا قميصـا من علم الجـزائر.
وعند طرف السوق، في ميدان الحدادة، كان محل احـويـو .. محمد العالم احويو الذي بادر مع محمود امبارك الشريف لتأسيس المدرسة الليلية. ودار شـقـيـقه الحاج سعد احويو بقُـــفــّــة على تجار سوق الجريد والظلام ، ليجمع من كل صاحب محل خمسة أو عشرة قروش لشراء الأقلام والكراسات والمحّايات للتلاميذ.
 السوق كان وسـط حي يسكنه أهل المدينة وخاصة الميسورين .. في شوارع الشويخات وقصر حـمـد ، والمهدوي والشريف، وبن عمران وبالة وشـارع سي سـالم و سي سـعيـد .. هذه القاعـدة الاقتصادية الاجتماعية هي التي قام عليها السوق. الآن اختـفـى المركز التجـاري القـديم .. نتيجة النمو السكاني وتطـور سبل النقـل .. الآن بنغازي فيها أحياء كثيرة وبالتالي مراكز عديدة للتسـوق.
سـوق الجريد نـفـسـه تـغـير. كان فيه مـغـازات للسـلع التموينية بالجملة ، ودكاكين العـطـارة .. وامتـداده، شـارع بوغـولة .. للـغـلال والحـصـران. الآن دكاكين سـوق الجريد تحولت إلى بيع الملابس الصيـنية .. ومدخله إلى محلات الذهب. أي أن الاسـواق ليست بمعزل عن تطور المجـتـمـع!
شـنو الحـل
إذن ’’هل إعادة بناء السـوق سـتبعث الحياة في مركز بنغازي القديم؟ .. وعليه لماذا لا نبقي على السوق الجديد الحالي، ونسـتثمر الأموال في إعادة بناء سـوق الجريد .. كسـوق على الطراز الشرقي ؟ وتطـوير بعض المباني ، مثل بيت أحمد رفيق. بل وتطوير المدينة القديمة .. والاحـتفاظ ببعض المنازل ذات الطراز ، وفتح ميادين .. وتـحـويـلـهـا إلى منطقة للسـياح ، وللنشـاطات الثـقـافية.. مـعـارض فـنـية ، دار للموسـيقى ، قـاعـة محـاضـرات.
وطبعا لابد من صـيـانـة مبنى البلدية .. ولماذا نتعامل مع المبنى كأنـه إرث اسـتعماري؟ كل المباني لها تاريخ مزركش. قلعة طرابلس مثلا .. بناهـا الأسـبان، واسـتـقر بها فرسان القديس يوحـنـا .. ثم العـثمانيون .. وسـكـنـها القرمليـه .. وخطب منها موسيليني .. وهـكذا قـصـر بكنجـهـام في لنـدن .. أو عابدين في القاهرة. التاريخ أحـداث. لكن المباني تبقى لأنـهـا إبداعات بشرية. حين تدخـل الجامع الأموي في دمشـق .. سرعان ما تدرك أنه كان كنيسـة ، وأن مختلف المباني أضـيـفت عبر العصـور .. سـواء في صحـن المـسـجـد أو في بيت الصـلاة.
المشكلة الحـقـيـقـية .. عـدم التـعـويض
أولا وأخيرا .. لابد من دفع تعويضات للناس الذين هدمت دكاكينـهم!
مشكلة سوق الظلام .. ليست في المبنى .. بل ما ترتب على هـدمـه .. لاشك أنـه ترك ذكريات مؤلمة .. ثم إن أصـحاب الدكاكين بالسوق لم يعـوضوا ، كما لو كانوا مـقـصـودين بالعـقـاب .. التعويض مازال معلق ، وبالتالي محور الشكوى. ولماذا لا يـعـوضون:
            ’’فـهـم لم يرتكبوا ذنبا سـوى أن ربي خلـقـهـم تجار‘‘ ، كما قال الحاج.
            و ’’ بعـدين أي تعويضات تدفع سـتجد طريـقـها إلى اقتصـاد المدينة .. يشتـروا بـها عـقـارات أو يؤسـسـوا مشاريع صناعية أو تجارية .. ويحركوا السـوق .. ما يضـيع شئ‘‘.
مربـع تـنـش فـيـه الريـح
مر علينا مـهـندس .. فـتـوقـف ، وتواصل النـقـاش:
            ’’معماريا .. السـوق الحالي فيه مشـاكل .. طـبـعا خرسـانة .. جماليا ميت .. لا زخرفة ولا حـاجـة توحي بأنه في مدينة شـرقـية .. ممكن يكون في البرازيل أو في تايلاند .. بـعـدين خرسـانة تـعكس حرارة الشمس ولذلك في الصـيـف صـهـد .. ثم إنـه مربع مـفـتـوح وفي الشـتاء تدور فيه الريح‘‘.
            ’’شـنو الحل ؟‘‘.
            ’’ يمكن تكليف عـدد من فناني المدينة التشكيليين لرسم لوحات مركبة من بلاط (زلـّـيز) .. وكل ما هو مطلوب فرن لتـثبيت الألوان .. ودورة أسـبوع في الخارج أو الداخل على تقنيات الرسم على الخزف‘‘.
            ’’ أولا لماذا لا تزرع فيه أشـجـار؟ تخـفـف حركة الريح .. وتعطي ظل .. وتلطف درجة الحرارة‘‘.
            ’’ الآن ميدان السوق ميت .. ليش ما يفتـحـوا فـيـه مـقـاهي .. تجذب الناس .. زي مقهى ميدان الحـدّاده والـعـرّودي زمان ؟‘‘.
إعـادة تأهـيـل المـديـنـة
يجب أن نـقـر أن هـدم سـوق الظلام قد خلق حـنـيـنا لدي من تجولوا في ممراته صـغـارَا مع آبائـهم بحـثا عن كنـدرة العـيـد .. وشـكل حـاجزًا نـفـسـيا لدي من عملوا في دكاكينـه .. ثمة جزء من ذاكرتـهـم اختـفى فـجـأة دون أن يجدوا له مبرر! هذه الحالة النفسـية المتوترة تضـخـم كل أزمة مـهـما كانت بسـيطة إلى تخمينات سـوداوية في المرابيع .. وإلى نـديب على صـفحات الإنتـرنت!!
إعادة التأهيل لا تعني فقط المصالحـة ، بل رأب الصـدع وتـرميم الشروخ الـعـاطـفية لإعادة كل التوازنـات إلى حـالـتـها الطبيعية .. من أجل رؤية إيجابية للمسـتقـبل.
لا شـك أن بنـغـازي مرّت بصـدمات عـديدة .. ظـروفـهـا مـعـقـدة وبواعـثـها شـائكة .. لكـنـها تركت رواسب من السـلبيات أقـلـها الإحساس بالإهمـال .. وهـذا بدوره يرسـخ الشـعـور بالغبن. المطلوب إذن هـو مـخـاطـبـة النـفـســيات بالدرجة الأولى .. ومداواة الجـروح.
ولاشك أن المدينة شـهـدت شـيئا من هـذا مؤخـرًا .. بتغطـيـة الفضـاءات الترابية الكئيـبة بالنجيلة اليانـعـة .. ثم بحملة تجميل المباني بالصـيـانـة وحتى بالمرمر .. وتبليط الأرصـفـة .. وهذه طبعا سـاهمت في ضـخ أموال في اقتصاد المدينة .. فبـعـضـها يصل في النـهـاية إلى جيوب باعة الرمل والإسـمنت ، وسـائقي سـيارات الشـحن .. بل ومن العمال المصريين إلى دكاكين البقالة ..إلخ. وهـذه كلـهـا خطوات إيجابية نحو إنـعـاش المدينة .. لكنـهـا وحـدها لا تكفي .. ولابد من مشـاريع لامتصـاص البطالة. وعلى قدم وساق، تجري أعمال البنية التحتية في بعض الأحياء، ومشاريع إسكانية كبرى سـتـسـاهم في حل أزمة السكن ولا شك. وهناك أعمال جارية في البحيرات الشرقية كما تمت حيازة مساحات واسعة في جليانه وقاريونس وغيرها، ولكن دون أي إعلان بماهية المشاريع وراء السياج !!
إعادة تأهيل المدينة يعني أيضا أن تأخذ نصيبها من رحلات الطيران .. من المـعارض ( وخلال أسـابيع سيـعـقـد معرض الكتاب في طرابلس وبنغازي في وقت واحـد) .. لكن لماذا مثلا، مجلس الثقافة العام شـبه مجـمـد لقرابة عامين؟ وأن تأخـذ نـصـيـبـها من الشركات الأجـنبية .. بل ومن القنصـليـات، وليس هـذا من باب مضاهـاة العاصمة .. لكنه يخلـق مناخـا انفـتاحـيـًا يخـفـف كآبة العـزلـة واجـترار الإحـساس بالدونـيـة.
بنـغـازي كأي مدينـة ثانية .. طـمـوحـة وقـد تـعاني من الغيرة من العاصـمـة .. خاصـة إذا كانت هي الأجـمل والأكـثـر عـطـاء .. مثلها مثل نيويورك أو الإسـكـنـدرية .. ولا بد من الالـتـفــات إليـها ومـنحـها دورًا حـضـاريا مـستـقلا.
 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب محمد المفتي, يوميات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر